مفاوضات انهاء الحرب: تنازلات أم تسويات؟ وماذا عن لبنان؟

بقلم ندى جوني

في ظلّ تصاعد الحديث عن وجود مسار تفاوضي لإنهاء الحرب على إيران، تتزايد التساؤلات حول مدى جدية هذه المفاوضات وطبيعة الأهداف التي تقف خلفها، خاصة في ظل التناقض الواضح بين التصريحات الأميركية التي تتحدث عن تقدم في المسار التفاوضي،والموقف الإيراني الذي ينفي وجود أي مفاوضات من الأساس.

يعكس هذا التباين حالة ضبابية تحيط بالمشهد، ويطرح علامات استفهام حول ما إذا كنا أمام مفاوضات فعلية أم مجرد ضغوط سياسية تمارس تحت عنوان التفاوض. وفي وقت يتمّ طرح فيه تسريبات عن شروط قاسية، تبدو أقرب إلى فرض وقائع جديدة على إيران، يبرز سؤال أساسي: هل الهدف الوصول إلى تسوية متوازنة، أم دفع طهران نحو تقديم تنازلات كبرى تحت ضغط الحرب؟. وبين هذين الإحتمالين، يصبح من الضروري التوقف عند طبيعة هذه الشروط، وسياقها السياسي والعسكري، لفهم ما إذا كان المسار الحالي يمكن أن يقود إلى اتفاق، أم أنه يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً من الصراع؟..

مصطفى فحص: هل تقود المفاوضات إلى اتفاق أم إلى إعادة رسم الصراع؟

أشار الكاتب والناشط السياسي مصطفى فحص إلى أنّ ما يتمّ تداوله حول مفاوضات بين إيران وأميركا لإنهاء الحرب يبدو فعلياً قائماً، وعلى الأرجح تتمّ إدارته عبر قنوات غير مباشرة، قد تكون إحداها في باكستان.
وطرح فحص تساؤلاً محورياً: هل الشروط التي وضعتها واشنطن ورفضتها طهران قبل الحرب، أصبحت اليوم مقبولة بعد انتهائها؟ وإذا صحّ ذلك، فهل يعني هذا اعترافاً إيرانياً بالهزيمة؟
ويرى فحص أنّ هذه التطورات قد تفتح نافذة دبلوماسية حقيقية، إلا أنّ الحكم على مآلاتها لا يزال مبكراً، في ظل غياب مؤشرات حاسمة حول جدية المفاوضات ونوايا الأطراف. فهل تسعى إيران فعلاً إلى إنهاء الصراع وفق الشروط الأميركية، أم أن هدفها يقتصر على الحفاظ على النظام؟.. وفي المقابل، هل يمكن للولايات المتحدة أن تقبل ببقاء هذا النظام مقابل إنجاز اتفاق؟

ويشير فحص إلى أنّ أي مسار تفاوضي جدي يتضمن بنداً أساسياً يتمثل في فصل إيران عن أذرعها الإقليمية، وهو ما يجعل التوصل إلى اتفاق شامل أكثر تعقيداً. كما يلفت إلى الحضور الإسرائيلي في هذه المفاوضات، سواء بشكل مباشر أو عبر التأثير في القرار الأميركي، حيث تبقى المصالح الإسرائيلية حاضرة في عقل المفاوض.

أما فيما يتعلق بلبنان، فيؤكد فحص أنّ محاولة إيران ربط مسار الإتفاق به ستواجه برفض إسرائيلي، نظراً إلى الفصل الواضح الذي تعتمده تل أبيب بين الساحتين الإيرانية واللبنانية. فإيران تنظر إلى قدراتها الصاروخية كأداة ردع استراتيجية، بينما ترى إسرائيل في الساحة اللبنانية مسألة تتعلق بأمن الحدود.
ويخلص فحص إلى أنّ إسرائيل ستتمسك بتحقيق أهدافها في لبنان قبل القبول بأي ربط بين المسارين، وعلى رأس هذه الأهداف تطبيق القرار 1701 وفق قراءتها الخاصة.
ويحدد فحص الخطوط الحمراء الإسرائيلية بثلاثة عناوين أساسية: تصفير الإتفاق النووي، خفض البرنامج الباليستي، وإنهاء الأذرع الإقليمية لإيران، مشيراً إلى أنّ هذه الخطوط تتقاطع إلى حد كبير مع الموقف الأميركي في المنطقة.

سمير سكاف: شروط استسلام لا تفاوض… وحرب لبنان مستمرة بمعزل عن إيران

يرى الخبير السياسي والمحامي سمير سكاف، أنّ المشهد المرتبط بالحرب مع إيران دخل مرحلة ضبابية توحي بوجود مسار تفاوضي، رغم التصريحات المتناقضة، لا سيما من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يعلن من جهة أنّ المفاوضات جارية وأن إيران وافقت على تغيير النظام والاستسلام، فيما تنفي طهران بشكل قاطع وجود أي أساس لمثل هذه المفاوضات مع الولايات المتحدة.
ويؤكد سكاف أنّ ما يُطرح اليوم لا يرقى إلى مستوى بنود تفاوض، بل هو أقرب إلى شروط استسلام كاملة تفرضها واشنطن، وهي نفسها الشروط التي كانت مطروحة قبل الحرب ولم يطرأ عليها أي تعديل. وتتمثل هذه الشروط بخمس نقاط أساسية: تفكيك البرنامج النووي الإيراني وتسليم 440 كلغ من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى الولايات المتحدة الأميركية، تفكيك برنامج الصواريخ الباليستية، إنهاء الأذرع الإقليمية بما فيها “حزب الله” والحوثيون..، تفكيك النظام واستبداله بنظام أكثر ديمقراطية، وأخيراً فتح مضيق هرمز.

ويشير سكاف إلى أنّ هذه المطالب يتمّ طرحها من دون أي مقابل لإيران، ما يعزز فرضية أن الهدف الأميركي هو استسلام كامل، وهو ما يجعل رفض طهران لهذه الشروط أمراً مرجحاً، ما لم تتجه نحو خيار الاستسلام، وهو احتمال لا يبدو قائماً حتى الآن.

وفي سياق متصل، يلفت سكاف إلى غياب المرشد الأعلى مجتبى خامنئي عن الظهور العلني، رغم توجيهه رسائل غير متلفزة، وسط تقارير عن إصابته، ما يطرح تساؤلات حول وضعه الصحي وقدرته على مخاطبة الداخل الإيراني والرأي العام الدولي.

أما على صعيد العلاقة بين الحرب في لبنان والحرب على إيران، فيؤكد سكاف أنّ المسارين منفصلان بالكامل، ولا وجود لأي ترابط تفاوضي بينهما. فإسرائيل، بحسب رأيه، اتخذت قراراً استراتيجياً بكسر “حزب الله” وإنهائه، وهو هدف مستقل عن الصراع مع إيران، ما يعني أنّ الحرب على لبنان ستستمر حتى في حال التوصل إلى اتفاق أميركي إيراني. كما يشير سكاف إلى أنّ العمليات العسكرية الإسرائيلية تركز بشكل أساسي على جنوب الليطاني، مع استهدافات في البقاع والضاحية، وقد طالت البنى التحتية، -خصوصاً- الجسور التي تربط جنوب الليطاني بشماله، في محاولة لتحويل الجنوب إلى منطقة معزولة أو جزيرة أمنية تمهيداً لإقامة حزام أمني يحمي الداخل الإسرائيلي من صواريخ “حزب الله”.

ويرى سكاف أنّ هذا الواقع يفرض تهجيراً قسرياً للسكان، ويمنع عودتهم قبل تحقيق الهدف الإسرائيلي المتمثل بإنهاء الحزب عسكرياً جنوباً وشمالاً.

داخلياً، يصف سكاف وضع “حزب الله” بالمأزوم، إذ يجد نفسه عالقاً بين تصعيد داخلي متزايد، لا سيّما بعد طرد السفير الإيراني من لبنان، وبين انخراطه في المواجهة العسكرية مع إسرائيل. فهو، بحسب سكاف، غير قادر على الإنسحاب من الحكومة أو إسقاطها، كما يتجنب في الوقت نفسه أي مواجهة مع الجيش اللبناني، ما يضعه في حالة حرجة تقيّد خياراته السياسية والعسكرية في المرحلة الراهنة!..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top