
بقلم ندى جوني
نزح سكان جنوب لبنان بفعل المواجهة الأخيرة التي اندلعت بين إسرائيل وحزب الله، في مشهد يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر الأزمات حساسية في تاريخ البلاد. ومع تصاعد التهديدات الإسرائيلية بإمكانية عدم عودة عدد من النازحين إلى مناطقهم، يتزايد القلق من تحوّل النزوح من حالة طارئة إلى واقع طويل الأمد.
في موازاة ذلك، يتمّ طرح إنشاء مراكز إيواء قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من النازحين، إلا أن هذه الحلول، رغم ضرورتها الإنسانية، تثير مخاوف من أن تتحول تدريجياً إلى مخيمات دائمة. لذلك، لم يعد النقاش مقتصراً على كيفية الاستجابة الآنية للنزوح، بل يتعداه إلى سؤال أعمق: كيف يمكن إدارة هذه الأزمة من دون أن تتحول الحلول المؤقتة إلى واقع دائم، يفرض تغييراً تدريجياً في البنية السكانية، ويهدد الإستقرار الإجتماعي والسياسي في لبنان؟
هادي أبو الحسن: رفض إقامة مخيمات للنازحين يخدم مصلحة لبنان ويمنع تكرار مآسي الماضي
في مقابلة مع النائب هادي أبو الحسن حول ملف النزوح الأخير، أكد أن منع إقامة مخيمات للنازحين في مختلف المناطق اللبنانية يصبّ أولاً في مصلحة البلد، وثانياً في مصلحة النازحين أنفسهم. واعتبر أن مشهد المخيمات يعيد إلى الأذهان تجارب مؤلمة عاشها لبنان، بدءاً من مخيمات عام 1948 وصولاً إلى مراحل لاحقة، بما حملته من تداعيات اجتماعية وسياسية معقدة.
وأشار أبو الحسن إلى إمكانية استيعاب النازحين من الجنوب في أماكن عامة مخصصة، لا سيما في العاصمة، مثل المدينة الرياضية، لافتاً إلى طرح للنائب السابق وليد جنبلاط حول استخدام مرافق عامة كـمطار القليعات ومطار رياق. وشدّد على أن توزيع النازحين بشكل عشوائي في المناطق قد يؤدي إلى تغييرات ديمغرافية غير مرغوبة ويثير حساسيات محلية، وهو أمر ينبغي تجنّبه.
وأضاف أن الضغط الناتج عن النزوح ينعكس بشكل مباشر على البنى التحتية، من مياه وصرف صحي وطرقات ومستشفيات، والتي هي أساساً مهيّأة لخدمة عدد محدد من السكان. ورغم إمكانية التكيّف مع هذا الضغط لفترة محدودة، إلا أنه لا يمكن اعتباره حلاً دائماً.
وفي ما يتعلق بالحلول، شدّد أبو الحسن على أن أي إجراءات حالية تبقى مؤقتة ومرتبطة بظروف الحرب، مؤكداً أن الأولوية يجب أن تكون للدفع باتجاه حل دبلوماسي يفضي إلى وقف إطلاق النار. وأعرب عن ثقته بأن أهل الجنوب، المعروفين بتجذّرهم في أرضهم، سيعودون إلى قراهم فور توقف الحرب. كما أشار إلى أنه في حال تعذرت العودة بسبب الدمار، يمكن اللجوء إلى حلول بديلة كالمنازل الجاهزة التي توضع في القرى المتضررة، بدلاً من تكريس واقع النزوح. وحذّر من أن تحوّل النزوح إلى حالة دائمة سيؤدي إلى أزمات سياسية واقتصادية كبيرة.
وختم بالتأكيد على ضرورة تفعيل المسار الدبلوماسي، والعمل على تطبيق القرار الدولي القرار 1701، والعودة إلى الخط الأزرق، باعتبار أن الحلول السياسية تبقى السبيل الوحيد لتجنّب تفاقم الأزمات، إذ إن الحروب لا تحلّ المشاكل بل تعمّقها.
ملحم خلف: التحدي ليس في النزوح بل في إدارته ضمن رؤية وطنية واضحة
في سياق الإجابات التي قدّمها النائب ملحم خلف حول ملف النزوح، أشار إلى أن المجتمع في لبنان يعيش حالة قلق عام على المصير، تتجاوز في كثير من الأحيان مسألة التوازن الديمغرافي بحدّ ذاتها، من دون أن يلغي ذلك حساسية لبنانية موروثة تجاه أي تغيير محتمل في التركيبة السكانية.
وفي معرض التعليق على حادثة منع إقامة مخيم للنازحين في بلدة الشويفات، شدّد خلف على أن أي قرار محلي في ظل النزوح الواسع النطاق يكتسب أبعاداً تتخطى إطاره المباشر، خصوصاً مع تزايد الحديث عن صعوبات عودة أعداد كبيرة من النازحين إلى مناطقهم في المدى القريب.
ورأى أن هذه الحادثة تكشف هشاشة التوازن في الوعي الجماعي، في ظل غياب رؤية وطنية واضحة لإدارة النزوح، مؤكداً ضرورة التمييز بين الخوف المشروع والانزلاق إلى استنتاجات حاسمة. ولفت إلى أن التجارب الدولية تُظهر أن الحلول المؤقتة قد تتحوّل إلى واقع شبه مستدام عندما تطول الأزمات، وتغيب خطط العودة، وتضعف الإمكانيات الداعمة لها. وأوضح أن التركز الكبير للنازحين في مناطق محددة يشكّل عامل ضغط فعلي على البنى التحتية والخدمات، حتى وإن لم يؤدِّ بالضرورة إلى تغيير ديمغرافي دائم، إلا أنه قد يخلق اختلالات محلية حادة في الكثافة السكانية والتوازنات الاجتماعية، ما يفتح الباب أمام توترات في حال شعرت المجتمعات المضيفة بأن العبء غير موزّع بشكل عادل.
وفي هذا الإطار، دعا خلف إلى اعتماد مقاربة متوازنة تقوم على مجموعة من الأسس:
• التأكيد أن الإيواء إنساني في جوهره، ومؤقت ومرتبط بخطة عودة واضحة.
• توزيع النازحين جغرافيًا لتفادي التركز المفرط.
• دعم البلديات والبنى التحتية في المناطق المضيفة.
• إجراء تعداد دقيق وشفاف للنازحين للحد من الشائعات وتعزيز فعالية الاستجابة.
• تفعيل العمل السياسي والدولي لضمان العودة الآمنة، وعدم الاكتفاء بإدارة الأزمة داخليًا.
وختم بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود النازحين بحدّ ذاته، بل في كيفية إدارة هذا الوجود ضمن إطار وطني واضح يحفظ الاستقرار، ويمنع تحوّل الحلول المؤقتة إلى واقع دائم. ففي غياب أفق زمني محدد، تصبح المخاطر اجتماعية واقتصادية وسياسية، وتتحوّل من احتمالات نظرية إلى وقائع متراكمة.
نبيل بدر: الخطر ليس في النزوح بل في تحوّله إلى واقع دائم يهدد التوازن والاستقرار
يشير النائب نبيل بدر إلى أن لبنان، بحكم تركيبته، قائم على توازنات ديمغرافية دقيقة وحسّاسة، ما يجعل أي خطوة كإنشاء مخيم أو مركز إيواء تفسَّر لدى بعض القوى السياسية على أنها تتجاوز البعد الإنساني. ويعود ذلك إلى تجربة لبنانية سابقة أثبتت أن المؤقت قد يتحوّل إلى دائم، الأمر الذي يفسّر تنامي القلق مع تزايد الحديث عن تعذّر عودة أعداد كبيرة من النازحين في المدى القريب. من هذا المنطلق، يفهم قرار منع إقامة مخيم في الشويفات ليس فقط كإجراء تنظيمي، بل كرسالة سياسية تعبّر عن رفض تثبيت واقع ديمغرافي جديد في تلك المنطقة.
في المقابل، يلفت بدر إلى أنه لم يعد مقبولًا، تحت ذريعة هذه الهواجس، أن يبقى العبء مركّزًا على العاصمة وحدها، التي باتت تتحمّل ضغطًا يفوق قدرتها الاستيعابية. ويشدد على أن المطلوب اليوم هو اعتماد مقاربة وطنية متوازنة لإدارة ملف النزوح، إذ إن استمرار الواقع الحالي، من دون توزيع عادل للأعباء على مختلف المناطق، قد يهدد الاستقرار العام ويمسّ بتماسك النسيج الوطني.
ويرى أن المشكلة لا تكمن في الحلول المؤقتة بحد ذاتها، بل في قابليتها للتحوّل إلى أمر واقع مع مرور الوقت. فاستمرار النزوح لفترة طويلة من دون خطة وطنية واضحة قد يؤدي تدريجيًا إلى تحوّل مراكز الإيواء إلى بيئات سكنية شبه دائمة، ما يفضي إلى تبدّلات في الخريطة السكانية، ويزيد من الاحتكاك بين المجتمعات، ويرفع منسوب التوتر.
ويضيف أن هذا الواقع يترافق مع ضغط هائل على بنية تحتية منهكة أساسًا، وعلى موارد محدودة وفرص عمل ضيقة، ما يفاقم التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
ويؤكد على ضرورة مواكبة دقيقة للوقائع الميدانية، خصوصًا في ظل ما يحاول الاحتلال الإسرائيلي فرضه من معادلات جديدة، وضرورة قراءتها بواقعية سياسية بهدف تحصين الموقف الوطني وتفادي تكريس أمر واقع طويل الأمد.
وفي هذا الإطار، يطرح بدر إمكانية الاستفادة من الإمكانات المتاحة في مناطق الجنوب، حيث توجد مشاعات ومنشآت تابعة للدولة قابلة للتطوير، بما يسمح بإنشاء مراكز إيواء منظّمة تلبي الحاجات الأساسية للنازحين. ويرى أن هذه المقاربة تساهم في إبقاء النازحين قريبين من بيئتهم الأصلية، وتعزّز شعورهم بالانتماء، وتُبقيهم على تماس مع قراهم بانتظار تأمين العودة الآمنة.
