
بقلم ندى جوني
في ظلّ الحرب الطاحنة التي يشهدها لبنان منذ شهر تقريباً، على خلفية التصعيد الإقليمي وتداعياته على الداخل اللبناني، يبقى النقاش عن دور الدولة اللبنانية وحدود سلطتها بقراريّ السلم والحرب.
وفي هذا السياق، شدّد رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون في تصريحه في قداس عيد الفصح في بكركي على أولوية حماية السلم الأهلي، وضرورة دعم المؤسسات الأمنية، بالتوازي مع السعي إلى مسار دبلوماسي يخفّف من حدّة الأزمة. إلا أنّ هذه الطروحات، رغم أهميتها، فتحت الباب أمام تساؤلات أعمق تتجاوز الخيارات المطروحة: من يملك القرار الفعلي في لبنان؟ فالتباين في المواقف لا يدور حول مبدأ التفاوض بحد ذاته، بقدر ما يتمحور حول الجهة التي تمتلك شرعية التفاوض وتمثيل الدولة..
فادي كرم: حماية السلم الأهلي تبدأ بحسم السلاح غير الشرعي وتفعيل دور الدولة
في سياق النقاش حول السلم الأهلي وخيارات الدولة بين الأمن والدبلوماسية، يرى النائب فادي كرم أنّ الدولة اللبنانية تمتلك العلم والإدراك الكافيين للتعامل مع الجهات التي تخرق القوانين وتتجاوز سيادة الدولة، إلا أنّ المشكلة تكمن في غياب التنفيذ الفعلي. ويشير كرم إلى أنّ الدولة قادرة، عبر أجهزتها الأمنية والقضائية، على التضييق على أي طرف غير قانوني، واعتقال المخالفين وإحالتهم إلى القضاء، معتبراً أنّ رفع الغطاء الأمني عن هذه الجهات يشكّل خطوة أساسية في حماية لبنان.
ويضيف أنّ الكلفة التي يدفعها لبنان نتيجة استمرار هذا الواقع أصبحت مرتفعة جداً، وأنّ الدولة لم تقم بدورها كما يجب في السابق.
وفي معرض حديثه عن هاجس الحرب الأهلية، يرفض كرم الطرح القائل بأنّ تجنّب المواجهة الداخلية يبرّر عدم تحرّك الدولة، مؤكداً أنّ هذا المنطق غير صحيح وغير منطقي، إذ لا يمكن أن تنزلق البلاد إلى حرب أهلية في حال قامت الدولة بدورها الكامل.
ويرى أنّ أي تنظيم مسلّح، بما فيه حزب الله، لن يتمكن من مواجهة الدولة إذا قررت فرض سلطتها.
ويلفت كرم إلى أنّ التذرّع بالحفاظ على الاستقرار الداخلي قد يخفي، في بعض الأحيان، تداخل مصالح بين أطراف داخل مؤسسات الدولة وجهات غير قانونية، ما يعيق تطبيق القانون.
في المقابل، يعتبر كرم أنّ أي مسار تفاوضي لن يكون جدياً أو فاعلاً قبل معالجة الوضع الداخلي، وعلى رأسه مسألة السلاح غير الشرعي، مشدداً على أنّ الحديث عن الدبلوماسية في الظروف الحالية قد يكون شراءً للوقت أكثر منه توجهاً حقيقياً للحل.
ويختم كرم بالتأكيد على أنّ حماية السلم الأهلي لا تتحقق عبر الانتظار أو المراقبة، بل من خلال تحرّك فعلي وحاسم من قبل الدولة وأجهزتها الأمنية، لافتاً إلى أنّ الغالبية العظمى من اللبنانيين ترفض الانزلاق إلى الفتنة، إلا أنّ هناك مخاوف من إمكانية استغلال التوترات الداخلية من قبل بعض الجهات لتفجير الوضع، واتهام خصومها بتهديد الاستقرار.
وليد البعريني: السلم الأهلي مسؤولية وطنية شاملة… والتنفيذ يبقى التحدي الأكبر أمام الدولة
في حديثه، يؤكد النائب وليد البعريني أنّ الدولة اللبنانية تقف اليوم في موقع صعب ودقيق، رغم أنّها، تحاول عبر مؤسساتها الرسمية اتخاذ مواقف وقرارات جريئة وضرورية.
ويشير إلى أنّ رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ومجلس الوزراء يبدون توجهاً واضحاً نحو معالجة التحديات القائمة، إلا أنّ المشكلة الأساسية لا تكمن في القرار بحد ذاته، بل في آليات التنفيذ التي لا تزال عالقة، ما يحدّ من فعالية هذه القرارات على أرض الواقع.
من هنا، يشدّد البعريني على أهمية البقاء في حالة يقظة وطنية، والالتفاف حول مؤسسات الدولة، بما يعزز قدرتها على تطبيق ما تقرره.
وفي هذا السياق، يلفت إلى ضرورة دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية بشكل كامل، معتبراً أنّ تمكين هذه المؤسسات هو المدخل الأساسي لترسيخ الاستقرار الداخلي، وحماية البلاد من أي اهتزازات أمنية محتملة.
أما على المستوى السياسي، يرى البعريني أنّ هناك تأييداً داخلياً، سواء على الصعيدين السياسي أو الشعبي، للمبادرات التي يطرحها رئيس الجمهورية، وهو ما يعكس رغبة لبنانية عامة في الخروج من الأزمات. إلا أنّ العقدة الأساسية، بحسب تعبيره، تبقى في الموقف الإسرائيلي الرافض لهذه المبادرات، ما يعرقل إمكانية تحقيق تقدم فعلي.
ويضيف أنّ أي تبدل في هذا الموقف قد يفتح الباب أمام توافق داخلي أوسع ودعم أكبر للمسار المطروح.
ويصف البعريني نهج الحكومة الحالية بأنه حكيم وعقلاني ووطني، مشيراً إلى أنّ الخطاب الرسمي يتسم بالهدوء والحرص على تجنيب البلاد الانزلاق إلى مواجهات داخلية أو خارجية. إلا أنّه يذكّر بأنّ الحفاظ على السلم الأهلي لا يمكن أن يكون مسؤولية الدولة وحدها، بل هو مسؤولية جماعية تقع على عاتق كل مواطن لبناني.
كذلك، يحذّر البعريني من أنّ تداعيات أي خلل في السلم الأهلي قد تكون أخطر من الحروب الخارجية نفسها، لما تحمله من تهديد مباشر للنسيج الاجتماعي. لذلك، يدعو إلى التمسك بالحس الوطني، والتحلي بالعقلانية والحكمة في مختلف المواقف، معتبراً أنّ هذه القيم تشكّل الوصفة الأساسية للحفاظ على استقرار لبنان في هذه المرحلة الحساسة.
بشارة خيرالله: من يفاوض بإسم لبنان؟ الصراع على القرار وليس على المبدأ
يرى مؤسس “دار الحوار” الباحث السياسي بشارة خيرالله أنّ التأخر في فرض السيادة، لا سيما في ما يتعلق بسلاح “حزب الله”، شكّل عاملاً أساسياً في تعقيد المشهد الداخلي وإضعاف موقع الدولة وموقفها.
ويشير خيرالله إلى أنّ كل يوم تأخرت فيه الدولة عن القيام بواجباتها كان يصبّ في مصلحة الحزب، الذي استطاع، بحسب تصاريح أمينه العام وكبار قادته، استعادة جزء من قدراته خلال الفترة الماضية.
ويعتبر أنّ سياسة إعطاء المهل لم تؤدِّ إلى أي نتائج فعلية، بل ساهمت في ترسيخ واقع تمرّد “حزب الله” على الدولة، ودفعت البلاد نحو مزيد من التوتر، وصولاً إلى الانخراط في صراعات لا تخدم المصلحة الوطنية، لا بل تستجلب الدمار والاحتلال والهجرة.
وفي ما يتعلق بخيار التفاوض، يوضح خيرالله أنّ الإشكالية لا تكمن في مبدأ التفاوض بحد ذاته، إذ إنه لا يُعدّ تنازلاً بل يمكن أن يكون مدخلاً وحيداً نحو الاستقرار، بل في الجهة التي تمتلك قرار التفاوض. ويطرح تساؤلاً محورياً: من سيمثل لبنان في أي مسار تفاوضي محتمل؟ معتبراً أنّ الدولة، في وضعها الحالي، تملك الرغبة لكنها لا تملك القدرة الكاملة على إدارة هذا الملف، في حين يسعى الحزب في سرّه إلى لعب هذا الدور نيابة عنها، ما يطرح إشكالية سيادية بامتياز.
ويشدّد خيرالله على أنّ مسؤولية السلطة التنفيذية تكمن في اتخاذ خطوات استثنائية ومؤقتة لمواجهة التحديات الراهنة، من بينها تفعيل دور البلديات ضمن ضوابط محددة، خصوصاً في ما يتعلق بتنظيم بعض الملفات الحساسة، من دون أن تتحول الدولة نفسها إلى ما يشبه إدارة بلدية محدودة الصلاحيات.
وفي هذا الإطار، يدعو خيرالله إلى ضرورة الانتقال من منطق إدارة الأزمات بشكل موضعي إلى منطق الدولة القادرة على فرض الأمن بشكل شامل، خصوصاً في اللحظات المفصلية.
ويؤكد على أهمية أن يكون الجيش اللبناني حاسماً وصارماً في أداء مهامه، ضمن إطار قانوني واضح، بما يعيد للدولة هيبتها ويعزز ثقة المواطنين بها.
ويختم بالتشديد على أنّ حماية اللبنانيين تتطلب خروج الدولة من حالة التردد، واعتماد مقاربة أكثر جدية في فرض سلطتها وهيبتها، بما يكرّس مفهوم الدولة الفعلية القادرة على حماية شعبها، لا الاكتفاء بإدارة الأزمات بشكل مؤقت أو جزئي. بعبارة أخرى، يشدد خيرالله على أنه يجب على الدولة اللبنانية أن تخرج من ذهنية البلدية إلى ذهنية الدولة.
