
بقلم ياسمين شعبان
أعاد خطاب الرئيس نواف سلام في ذكرى اندلاع الحرب الأهلية رسم الخطوط العريضة لمنهجه السياسي، مركّزاً على أن حماية لبنان، ولا سيما الجنوب، لا تتحقق إلا عبر الدولة والوحدة الوطنية والالتزام بـ اتفاق الطائف، بعيداً عن الارتهانات الخارجية.
جاء هذا الخطاب بعد حملة اتهامات طالت سلام، وصلت لحد “التخوين” في ساحة رياض الصلح، رداً على طروحاته بجعل بيروت مدينة منزوعة السلاح، وحصر المفاوضات مع إسرائيل بالدولة اللبنانية. إلا أن اللافت كان التذبذب في موقف الثنائي الشيعي؛ حيث رُصدت دعوات للتظاهر ضد سلام سُرعان ما أعقبتها أوامر بالانسحاب، ما عكس تبايناً واضحاً بين اندفاع القاعدة الشعبية وحسابات القيادة.
تطرح هذه المشهدية تساؤلات جوهرية حول حقيقة الخلاف بين الثنائي والرئيس سلام:لماذا وضع نواف سلام في هذه الخانة؟ ماذا يجري فعلا خلف الكواليس بين الثنائي الشيعي وجمهورهم؟ وهل هم على خلاف فعلي مع الرئيس نواف سلام ومساعيه وقراراته؟ وما مصير المفاوضات؟
الطبش: رئاسة الحكومة ليست “مكسر عصا”.. وبيروت ترفض استغلال الحريري في “فتنة” السرايا
وجهت النائبة السابقة رولا الطبش خلال حديثها مع ديموقراطيا نيوز تحية دعم وتضامن إلى رئيس الحكومة نواف سلام، مستنكرة ما وصفته بـ”أبشع الحملات الظالمة” التي تستهدفه. وأكدت الطبش أن سلام، بنظافة كفه السياسية والقضائية، يثبت اليوم أنه “رجل دولة” من طراز رفيع، قادر على اتخاذ قرارات سيادية غير مسبوقة تهدف لإعادة لبنان إلى الخارطة الدولية وإقامة دولة القانون، لا الدولة الخاضعة لأي طرف.
واعتبرت الطبش أن القرارات الحكومية الاستثنائية التي تُتخذ حالياً، ورغم قسوة الحرب وأوجاع اللبنانيين، هي ضرورة قصوى لحماية البلاد تحت سقف القانون لا تحت سقف “الدويلة وقوة السلاح”. وأشارت إلى أن حملة التضامن الشعبي “معك”، التي انطلقت مؤخراً، هي الرد الطبيعي على محاولات العرقلة، مؤكدة أن الرئيس سلام لن يثنيه الظلم عن إكمال مسيرة بناء المؤسسات.
وفي موقف حازم، رفضت الطبش بشدة أي تعرض لموقع رئاسة الحكومة، قائلة: “لسنا مكسر عصا”، داعية الجميع إلى فك الارتباط بالخارج والعودة إلى كنف الدولة. واستنكرت محاولات أنصار حزب الله إضفاء طابع “شمولي” أو “وطني” على تحركاتهم من خلال استحضار اسم وقيمة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، واصفةً هذه الممارسات بأنها محاولة مكشوفة لـ”دغدغة مشاعر” جمهور تيار المستقبل بهدف إعطاء شرعية لتحركات فتنوية.
وجددت الطبش التأكيد على موقف “تيار المستقبل” الذي أعلن صراحة عدم علاقته بالاحتجاجات التي حصلت أمام السرايا الحكومية، مؤكدة أن أهل بيروت يقفون صفاً واحداً خلف قرارات رئاسة الحكومة، ويرفضون رفضاً قاطعاً استخدام رموزهم الوطنية كغطاء لمشاريع حزب الله الاحتجاجية التي لا تخدم سوى مزيد من الانقسام والدمار.
هادي مراد: “الثنائي” يمارس التقية السياسية.. وتمام سلام حاجة وطنية عابرة للاصطفافات
في حديثه مع “ديموقراطيا نيوز ” اعتبر الطبيب والناشط السياسي الدكتور هادي مراد أن أسلوب التعاطي السياسي المعتمد من “الثنائي الشيعي” يميل نحو نوع من “التقية السياسية” في إدارة الملفات الثلاثة: العلاقة البينية، التنسيق مع الحكومة، والخطاب الموجه للقاعدة الشعبية. ففي حين يبدي الجمهور حماسة لافتة في الشارع للمطالبة باسقاط الحكومة، تعكس البيانات الرسمية للحزب والحركة حرصاً ملموساً على استقرار العلاقة مع رئاسة الحكومة وتجنب التصعيد الفعلي.
ويتوقف مراد عند دلالات المواقف الأخيرة لنواب الثنائي، معتبراً إياها مؤشرات على محاولة الموازنة بين مقتضيات السياسة وضغط الشارع. فكلام النائب أمين شري حول ضرورة وجود “موقف رسمي لبناني” ينبع من الداخل بعيداً عن التأثيرات الإقليمية (إيرانية كانت أم أميركية)، يتقاطع مع تأكيدات النائب حسن فضل الله على الوجود الفاعل داخل الحكومة وحمايتها. هذا التباين يرى فيه مراد فجوة يحاول البعض استغلالها كـ “طابور خامس” بين قيادةٍ تضع المصالح العليا والحسابات السياسية أولوية، وبين جمهور يشعر بنوع من الخذلان نتيجة عدم تماهي الأفعال مع سقف التوقعات المرتفع.
أما في الشق الحكومي، فيصف مراد أداء الرئيس تمام سلام بالنهج “الوطني السيادي” المترفع عن الحسابات الضيقة. ويرى أن سلام يتحرك بعيداً عن طموحات الزعامة الطائفية أو المصالح الانتخابية، مقدماً نموذجاً لرجل الدولة الذي تحتاجه البلاد كصمام أمان. ويلفت مراد إلى أن هذا الأداء “النظيف” يفرض نفسه حتى على المعارضين الذين يحاولون كيل الاتهامات له، مؤكداً أن صدقية سلام تجعل من الصعب إلحاق تهم التبعية أو الفساد به، كما كان يحدث مع رؤساء حكومات سابقين اتخذوا مواقف معارضة لحزب الله.
المقدم: الثنائي بين “الأجندة الإيرانية” و”منطق الدولة”.. ونواف سلام رجل المرحلة
يرى رئيس حركة “العدالة والإنماء” المحامي صالح المقدم، أن التباين في المواقف بين حزب الله وحركة أمل بات أمراً طبيعياً تفرضه الاختلافات الجوهرية في المسارات السياسية. فبينما يكرس حزب الله نفسه كجزء عضوي من المشروع الإيراني وأداة لتنفيذ أجندته الإقليمية، تظل حركة أمل، رغم الملاحظات على أدائها، ضمن الإطار العربي بقيادة الرئيس نبيه بري، الذي يمكن تصنيفه في لحظة المقارنة الراهنة كخيار يميل نحو واقعية الدولة داخل البيئة الشيعية.
ويشير المقدم في حديثه مع “ديموقراطيا نيوز ” إلى أن هذا الافتراق يتجاوز الخطاب النظري ليلامس القرارات السيادية؛ حيث يبرز التباين في مقاربة ملفات حصر السلاح في بيروت ودعم توجهات رئيس الحكومة نواف سلام. ففي الوقت الذي تبدو فيه “أمل” أقرب لتغليب منطق المؤسسات، يرهن حزب الله مواقفه بحسابات إقليمية عابرة للحدود، ما يفسر حالة التخبط والتردد في تحريك الشارع ثم الانكفاء عنه، وهي حالة تعكس إدارة أزمة داخلية وقلقاً من فقدان السيطرة، لا مشروعاً سياسياً متماسكاً.
وفي تقييمه للأداء الحكومي، يصف صالح الرئيس نواف سلام بـ “رجل الدولة بامتياز”، معتبراً إياه الشخصية الأنسب للمرحلة الراهنة لامتلاكه الهدوء والعقلانية اللازمين لإعادة الاعتبار للمؤسسات بعيداً عن صراع المحاور. ويرى أن سلام يسير بخطى ثابتة لتثبيت الاستقرار رغم كل محاولات العرقلة والتعقيدات التي تفرضها القوى المرتهنة للخارج.
وبالحديث عن المفاوضات، لفت إلى “المهزلة السياسية” التي تمارسها طهران وأدواتها؛ حيث يُسمح لإيران بالتفاوض المباشر مع مَن تصفه بـ “الشيطان الأكبر”، بينما يُحرّم على لبنان التفكير في مسار تفاوضي يحمي مصلحته الوطنية وسيادته. ويؤكد أن تعثر الحوار الأميركي-الإيراني سينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية التي لا تزال تُستخدم كساحة تأثر لا منصة قرار.
ويختم المقدم قراءته بتوصيف دقيق للمرحلة، معتبراً أن حزب الله يمر في فصوله الأخيرة، وهي مرحلة تتسم بالخطورة وتتطلب ضبط النفس من جميع اللبنانيين. ويشدد صالح على أن دفع الشباب نحو مواجهات مميتة لخدمة أهداف خارجية هو أمر “مرفوض إنسانياً ووطنياً”، داعياً إلى ضرورة تصاعد الأصوات الشيعية الحرة والمستقلة لكسر احتكار القرار، وإعادة التوازن المفقود إلى الداخل اللبناني الذي دفع غالياً ثمن الارتهان للخارج.
