
بقلم ندى جوني
في خضمّ التصعيد العسكري الذي يشهده لبنان نتيجة الحرب الإسرائيلية على حزب الله، تتقاطع المسارات العسكرية والسياسية على نحو معقّد في ظلّ انقسام واضح في المواقف، حيث أجرى لبنان لقاءً تمهيدياً مع إسرائيل في واشنطن، أفضى إلى اتفاق على إطلاق مفاوضات مباشرة يُحدَّد زمانها ومكانها لاحقاً.
تأتي الخطوة بعد يوم دامي شهدته بيروت، وتكثيف للعمليات العسكرية والتوغل البري الإسرائيلي. ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا المسار: هل هو محاولة لاحتواء الانفجار، أم امتداد له بأدوات دبلوماسية؟..
في المقابل، بدا موقف “حزب الله” رافضاً لهذه المفاوضات، إذ اعترض عليها ظاهرياً ورفع منسوب التصعيد، في إشارة إلى تعقيد المشهد الداخلي وتضارب المرجعيات السياسية والعسكرية. وبين هذا وذاك، تتقدّم أسئلة جوهرية حول جدوى هذه المفاوضات، وإمكانية فصلها عن إيقاع الميدان، وحدود أدوار القوى الإقليمية والدولية في رسم مآلاتها، في وقت يبدو فيه المشهد مفتوحاً على أكثر من احتمال.
يشير النائب السابق الدكتور فارس سعيد إلى أن الانفجار القائم فرض نفسه كأمر واقع لا يمكن القفز فوقه. كما يؤكد أنّ ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن محطات سابقة، موضحاً أنّ إسرائيل لم تبادر إلى الاعتداء على لبنان لا في 8 تشرين الأول 2023، أي خلال حرب الإسناد الأولى المرتبطة بحرب غزة، ولا في 2 آذار 2026، حيث اندلعت المواجهة الثانية لمساندة إيران.
برأيه، هذا المسار التراكمي من الأحداث هو الذي فرض الوقائع الحالية، وأدّى إلى توسّع العمليات العسكرية وصولاً إلى احتلال أجزاء من الجنوب وتهجير السكان.
ضمن هذا الواقع، يرى سعيد أنّ لبنان لم يكن أمامه هامش واسع من الخيارات، بل اتجهت الدولة إلى محاولة ترميم ما تبقّى عبر الانخراط في مسار مفاوضات مباشرة. ويشدّد على أنّ أهمية هذه الخطوة لا تقتصر على بعدها التفاوضي، بل تكمن أيضاً في بعدها السيادي، إذ إنّ اللبنانيين اعتادوا أن يتفاوض عنهم الآخرو، في حين أنّ ما تقوم به الدولة اليوم هو استعادة هذا الدور، وإعادة تثبيت حقها الحصري في التفاوض باسمها، من دون أي وسيط يتحدث نيابة عنها.
وفي هذا الإطار، يلفت سعيد إلى أنّ إيران لطالما سعت إلى توظيف الساحة اللبنانية كورقة ضمن مفاوضاتها الإقليمية، مشبّهاً ذلك بأوراق استراتيجية أخرى كـمضيق هرمز، إلا أنّ ما يحدث اليوم، برأيه، هو محاولة لبنانية لانتزاع هذه الورقةوإعادة القرار إلى الداخل، بحيث تصبح الدولة هي المرجعية الوحيدة في أي مسار تفاوضي.
وعن مسألة وقف إطلاق النار، يقدّم سعيد قراءة ترتبط بالاستراتيجية الإسرائيلية، معتبراً أنّ إسرائيل تتعامل مع الميدان كأداة ضغط، حيث تسعى من خلال العمليات العسكرية إلى فرض أمر واقع ينعكس مباشرة على طاولة التفاوض، بما يتيح لها تحسين شروطها وتعزيز موقعها التفاوضي.
أما في ما يتعلّق بـ”حزب الله”، فيؤكد سعيد أنّ الحزب، رغم موقفه الرافض للمفاوضات المباشرة، لا ينوي بتاتاً الخروج من الحكومة، باعتبارها الإطار الذي يمنحه الحدّ الأدنى من الشرعية أمام الخارج. ويرى أنّ بقاءه داخل السلطة ليس تفصيلاً، بل خياراً سياسياً مرتبطاً بحسابات تتجاوز الداخل اللبناني.
وفي سياق متصل، يشدّد سعيد على أنّ ملف سلاح الحزب لا يمكن مقاربته من زاوية لبنانية بحتة، إذ يرتبط بشكل مباشر بمسار التفاوض بين إيران والولايات المتحدة، ما يعني أنّ قرار الحزب في هذا الشأن ليس مستقلاً بالكامل، بل يأتي ضمن سياق أوسع تحدّده خيارات طهران وموقعها في المعادلة الإقليمية.
وفي ما يخصّ زيارة المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري، حسن خليل، إلى المملكة العربية السعودية، يقرأ سعيد هذه الخطوة في إطار سياسي رمزي، معتبراً أنّ الرياض تسعى من خلالها إلى التأكيد أنّها لا تحمل موقفاً سلبياً من الطائفة الشيعية في لبنان، وأنها منفتحة على التعاون، في رسالة تتجاوز البعد البروتوكولي لتلامس توازنات الداخل اللبناني وإشارات الانفتاح الإقليمي.
واختتم سعيد حديثه بالتشديد على أنّ المرحلة المقبلة تستدعي قدراً عالياً من الترقّب، معتبراً أنّ مفتاح فهم ما ينتظر لبنان لا يكمن فقط في المسار الداخلي أو حتى في المفاوضات المباشرة، بل يرتبط أيضاً بما ستؤول إليه المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
