
بقلم ندى جوني
تفجّر الجدل في الساحة اللبنانية عقب ردّ رئيس مجلس النواب نبيه بري على تصريحات الرئيس جوزاف عون بشأن التفاوض المباشر مع اسرائيل. بعد تأكيد الرئيس عون ان الخيار جاء نتيجة التنسيق بين الرؤساء الثلاثة، مستنداً إلى بيان الخارجية الأميركية واعتباره امتداداً لاتفاق وقف اطلاق النار الذي وقع في 27 تشرين الثاني 2024. إلا أن الرئيس بري سارع إلى الطعن بدقة هذا الكلام، مشدداً على أن المقارنة بين الاتفاق والبيان غير صحيحة، وأن المسار المطروح اليوم لا ينسجم مع الإطار الذي أُقرّ سابقاً.
ضمن الإطار نفسه، لا يقتصر هذا الاشتباك العلني على تباين في التصريحات، بل يطرح تساؤلات جدية حول حقيقة ما يجري خلف الكواليس: هل نحن أمام خلاف فعلي في مقاربة التفاوض، أم أمام اختلاف في إدارة الخطاب رغم وجود تنسيق مسبق؟ ولماذا اختار الرئيس بري هذا التوقيت تحديداً لتصعيد موقفه؟.
بين شدّ الحبال السياسي وتبادل الرسائل، تتعقّد الصورة أكثر، حيث تتداخل الحسابات الداخلية مع الضغوط الإقليمية، ليبقى السؤال الأساسي: ما الذي يسعى إليه كل طرف فعلياً من هذا المسار؟
حسن الدر: الخلاف حول التفاوض المباشر يُضعف موقع لبنان ويكشف تناقض الرواية الرسمية
اعتبر الكاتب والباحث السياسي حسن الدرّ في موضوع الخلاف القائم بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، أن جوهر التباين يتمحور حول مسألة التفاوض المباشر مع إسرائيل، في مقابل التمسك باتفاق وقف اطلاق النار الذي تمّ التوقيع عليه يوم 27 تشرين الثاني 2024 برعاية الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والأمم المتحدة، والذي يفترض أن يضمن حقوق لبنان ويؤمّن آلية تفاوض غير مباشرة.
يرى الدر أن هذا الاتفاق يشكّل الإطار الأنسب، إذ ينص على تنفيذ إسرائيل التزاماتها، من انسحاب ووقف لإطلاق النار وعودة الأهالي، معتبراً أن الانتقال إلى التفاوض المباشر لا يخدم لبنان، بل يعزّز موقع إسرائيل التفاوضي ويضعف الموقف اللبناني.
وفي ما يتعلّق بتصريحات رئيس الجمهورية، اعتبر الدر أن الإحراج لا يقع على عاتق رئيس مجلس النواب، بل على رئيس الجمهورية نفسه، خصوصاً بعد قوله إن بيان الخارجية الأميركية هو نفسه اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 ، وهو ما نفاه الدر بشكل واضح. إذ أوضح أن اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 ينص على حق كل من لبنان وإسرائيل في الدفاع عن النفس وفق القانون الدولي، بينما يركّز البيان الأميركي على حق إسرائيل فقط، ما يخلق تبايناً جوهرياً بين النصّين.
أما في ما يخصّ الواقع الميداني، فأشار الدرّ إلى أن حصر التصعيد في الجنوب وعدم توسّعه إلى بيروت والضاحية الجنوبية يرتبط بتفاهمات إقليمية أوسع، لافتاً إلى أن إسرائيل تسعى إلى إبقاء الجنوب ورقة ضغط عبر التدمير والاستهداف المتكرر، كما فعلت سابقاً.
وشدّد على أن “حزب الله” لن يقبل بالعودة إلى المرحلة التي تلت اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، حيث ساد نوع من ضبط النفس، مؤكداً أن أي استمرار في الخروقات الإسرائيلية سيقابله ردّ، وأن الالتزام يبقى مشروطاً بالتزام إسرائيل أولاً.
وفي سياق متصل، توقّف الدر عند الحديث عن تهديدات تطال رئيس الجمهورية، معتبراً أن هذا النوع من التصريحات يجب التعامل معه بجدية، لأن إسرائيل قد تسعى إلى زعزعة الإستقرار الداخلي وإثارة الفتن، ما يفرض الحذر في هذه المرحلة الحساسة.
أسعد بشارة: لا خلاف فعلي بل تراجع الرئيس بري تحت الضغط الإيراني
ينفي الصحافي والمحلل السياسي أسعد بشارة وجود تباين حقيقي بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، معتبراً أن ما ظهر إلى العلن ليس سوى تراجع عن مسار كان قائماً نتيجة ضغوط خارجية، وتحديداً إيرانية. ويشير إلى أن الاتصال الذي جرى بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والرئيس نبيه بري كافٍ للدلالة على أن قرار ملف سلاح “حزب الله” ليس بيد رئيس المجلس، ما دفعه إلى التراجع والتعبير عن ذلك عبر موقف علني بدا كأنه خلاف مع رئيس الجمهورية.
ويرى بشارة أن رئيس الجمهورية لم يخرج عن سياق التنسيق، بل عبّر عن معطيات ووقائع قائمة، مؤكداً أن التنسيق مع رئيس مجلس النواب كان قائماً بالفعل. وفي هذا السياق، يعتبر أن كلام الرئيس بري حول وجود اختلاف جذري بين اتفاق وقف اطلاق النار عام 2024 والورقة التي أُعدّت في واشنطن يفتقر إلى الدقة، لافتاً إلى أن الاتفاق يتضمّن بنداً واضحاً حول حصر السلاح بيد الدولة، إضافة إلى إشارة إلى حق الدفاع المشروع للطرفين، وهو ما يفسَّر عملياً بأنه يمنح إسرائيل هامشاً للتحرك، الأمر الذي يبرّر، بحسب بشارة، الرد على موقف الرئيس بري من عين التينة.
ويضيف أن الدولة اللبنانية تسعى إلى تثبيت هدنة دائمة، إلا أن “حزب الله” وإيران لا يبدوان في وارد القبول بذلك، لأنهما يرفضان التفاوض المباشر ويفضّلان الإمساك بقرار التفاوض بعيداً عن مؤسسات الدولة، بما يحدّ من دورها السيادي.
أما في ما يتعلق بالتسريب الإسرائيلي حول تهديد رئيس الجمهورية، فيرى بشارة أن الرئيس جوزاف عون يدرك حساسية المرحلة التي يقودها، ويتعامل مع هذه التهديدات بجدية، متخذاً كل الاحتياطات الأمنية اللازمة في ظلّ ظرف دقيق وخطِر.
