
بقلم ندى جوني
شكل اغتيال الرئيس رفيق الحريري يوم 14 شباط 2005 لحظة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث الذي لم يكن قد تعافى بعد من تداعيات الحرب الأهلية والإنسحاب الإسرائيلي عام 2000.
مع خروج الجيش السوري من لبنان إثر اغتيال الحريري، بعد قرابة ثلاثة عقود، وجد “حزب الله” نفسه أمام واقع محلي جديد، مكّنه من خلاله أن يتصدر المشهد كلاعب أقوى في الساحة اللبنانية.
وبالفعل، بعد حرب تموز 2006، ارتفعت أسهم “حزب الله” عربياً وداخلياً، مستنداً إلى تقويض شعبي واسع.
في المقابل، كان لبنان يغرق في انقسامات حادّة تجسّدت بشكل واضح في الصراع بين فريقي 8 و 14 آذار، وهي الإنقسامات التي انفجرت ميدانياً في السابع من أيار عام 2008، في مشهد أعاد إلى الأذهان شبح الحرب الأهلية. وبعيداً عن الجدل والنقاش القانون والسياسي الذي أحاط بالقرارات الحكومية آنذاك والتي كان يمكن أن تعالج بالحوار، إلاّ أن “حزب الله” اختار يومها منطق التصعيد، لتبرز أحداث 7 أيار كمنعطف بنيوي. فما وصفه الحزب بأنه اليوم المجيد، كان في جوهره تمجيداً وترسيخاً لمفهوم ” الدويلة “. ومنذ ذلك الحين فرض فائض القوة الذي استخدمه “حزب الله” ما يقارب 20 عاماً كمكوّن أساسي في إدارة الشأن العام اللبناني والسيطرة على جميع مفاصل الدولة اللبنانية وقراراتها، قبل أن تضعه التطورات الإقليمية والتحولات الجذرية أمام اختبار الوجود والجدوى.
المرحلة الأولى: بسط الهيمنة ومخاض الدولة الموازية وتطويع المؤسسات
مثّلت الفترة الممتدة من اتفاق الدوحة عام 2008، وصولاً إلى التدخل في الحرب المخاض الحقيقي لولادة مفهوم الدولة الموازية، التي بدأت تتصرف بشكل منفصل تماماً عن الدولة اللبنانية. تحوّل “حزب الله” إلى مدير أمني وسياسي يتحكم بمفاصل القرار اللبناني، مستخدماً استراتيجية فائض القوة لفرض واقع لا يمكن تجاوزه.
بداية، نفّذ الحزب ما يعرف الإنقلاب الأبيض من خلال الإستقالة الجماعية لوزرائه ووزراء حلفائه ( الثلث المعطل) من حكومة الرئيس سعد الحريري. حملت هذه الخطوة يومها رسالتين: الأولى للداخل بأن الشرعية الدستورية تسقط بقرار من المربع الأمني، والثانية للمجتمع الدولي بأن حزب الله لن يسمح للمحكمة الدولية من الإقتراب من عناصره المتهمين باغتيال الحريري، مما أزاد الشرخ السني الشيعي يومها.
ترافق هذا الإنقلاب السياسي مع ضغط ميداني تمثل في انتشار مجموعات القمصان السود، والذي أدى إلى فرض تكليف الرئيس نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة آنذاك. وبهذا، نجح الحزب
في السيطرة على مفاصل الدولة وزرع كوادره في المواقع الحساسة، ومنها أمن المطار، إدارة المرفأ، قطاع الإتصالات والجمارك. وعمل “حزب الله” على تحييد الدولة اللبنانية ومبدأ السيادة، عبر منعها من اتخاذ قرارات تعارض مصالحه الشخصية وتوجهاته.
المرحلة الثانية: الإنخراط في المستنقع السوري
” إن طريق القدس يمرّ بالقلمون والزبداني، والسويداء والحسكة…”، بهذه العبارة التي صرح بها الأمين العام السابق ل”حزب الله” السيد حسن نصرالله، في مناسبة يوم القدس عام 2015، تكرّس انخراط الحزب بالمعارك في سوريا نصرة لنظام الأسد.
بدأت تتكشف ملامح التبعية المطلقة لإيران. دخل “حزب الله” عام 2013 إلى سوريا بحجة حماية المقامات الدينية والقرى اللبنانية الحدودية، لينزلق في معارك دموية بدأت بالقصير (2013) حيث اعتمد سياسة الأرض المحروقة، والتهجير القسري، مروراً بالقلمون ويبرود (2014) اللتين شهدتا حصار للقرى وتجويعها كأداة للضغط العسكري، ومن أجل تأمين الحدود. كما اشترك “حزب الله” مع الجيش السوري في حصار الزبداني ومضايا (2015)، ومنعت المساعدات الطبية والغذائية من الدخول، وغيرها من المعارك في حلب وتدمر. ساهمت مشاركة الحزب في الحرب السورية إلى فقدانه شعبيته في الشارع العربي، كما منحت الجيش الإسرائيلي فرصة ذهبية للكشف عن خططه السرية.
تحوّل “حزب الله” في هذه المرحلة من تنظيم سري يعتمد أسلوب حرب العصابات إلى جيش مكشوف يتحرك ضمن إحداثيات واضحة وتحت مراقبة الأقمار الصناعية والمسيرات. كما أن سياسات الحصار والتجويع التي أنهكت السوريين كرست الحزب كمنظمة مرتهنة كلياً للمشروع الإيراني.
المرحلة الثالثة: الإرتهان للمنظومة وتعطيل التحقيق في انفجار المرفأ
مع اندلاع ثورة 17 تشرين الأول 2019، وما أعقبها من انهيار مالي، فشل للسياسات الإقتصادية، والفساد المستشري في المؤسسات، وتراجع في سعر صرف الليرة وجد اللبنانين أنفسهم أمام كارثة أكبر يوم 4 آب 2020، حين دوّى ثاني أكبر انفجار غير نووي في التاريخ في مرفأ بيروت.
قاد “حزب الله” يومها حملة شرسة لتعطيل التحقيق، بدأت بتهديدات المسؤول في حزب الله وفيق صفا للقاضي طارق بيطار. توجت هذه العرقلة بأحداث الطيونة في تشرين الأول 2021 التي كادت أن تشعل فتيل حرب أهلية أيضاً كما حصل في 7 أيار 2008. تحوّل الحزب في هذه المرحلة إلى الحارس الأول للمنظومة الفاسدة والمتحكم بها، وبدأت شعبيته بالتآكل حتى ضمن نطاق بيئته، إلى حين القرار بالإنخراط في حرب خارجية وهي إسناد غزة بعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023.
المرحلة الرابعة: تفكك الردع، العزل، والسقوط
كشف الإسناد الأوّل في 8 تشرين الأوّل 2023، عن فجوة هائلة في تقدير الموقف، إذ لم تحقق الجبهة الردع المطلوب، بل منحتها الذريعة والوقت لتفكيك البنية التحتية ل”حزب الله” واستنزاف كوادره عبر الإغتيالات الدقيقة التي طالت قادة الرضوان. تجلى هذا الإنهيار في تفجير ” البيجر” والأجهزة اللاسلكية في 17 ايلول 2024، الذي مثل أضخم اختراق استخباراتي في العصر الحديث، حيث أدّى إلى شل منظومة القيادة، وإخراج آلاف المقاتلين من الخدمة قبل أن تبدأ العملية العسكرية الأولى في 23 أيلول 2024، التي دمرت الترسانة الصاروخية الإستراتيجية ل”حزب الله” في البقاع والجنوب، واغتيال الأمين العام حسن نصرالله وخليفته هاشم صفي الدين.
في المقابل، أدّى سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024 إلى قطع الشريان الأبهر للإمداد البري، وفقد الحزب العمق الإستراتيجي الذي حارب سنوات من أجله. كما أنه لم تتوقف الإستهدافات الإسرائيلية حتى بعد قرار وقف اطلاق النار يوم 27 تشرين الثاني 2024.
لم يقم “حزب الله” طوال الفترة السابقة بأي نوع من الردّ العسكري إلى أن اندلعت الحرب في ايران يوم 28 شباط 2026، ولا سيّما بعد اغتيال المرشد الروحي الإيراني السيد على الخامنئي.
دخل “حزب الله” في حرب اسناد مع إيران ثأراً لدماء الخامنئي، واندلعت حرب جديدة في 2 آذار 2026. مما أدى إلى نزوح الآلاف وتدمير القرى تدميراً ممنهجاً، وتوغل بري اسرائيلي كبير، لم يعرف لحد الآن مدى تداعياته الكارثية، في ظلّ التدمير الممنهج الذي تقوم به اسرائيل في جنوب لبنان.
تقف التجربة السياسية والعسكرية ل”حزب الله” اليوم أمام حائط مسدود لم تشهده من قبل، وتحديداً مع تصاعد المطالب بنزع سلاحه وتطبيق القرارات الدولية. لقد أدى العزل الإستراتيجي الذي يعيشه الحزب اليوم وتآكل قدرته على السيطرة على مفاصل الدولة تحديداً بعد انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للمجمهورية إلى إضعاف قدرته على فرض ” الفيتو ” السياسي كما كان في السابق.
ف”حزب الله” الذي استمد قوته طوال السنوات السابقة من محوره الإقليمي، يجد نفسه اليوم معزولاً فوق أرض محروقة في جنوب لبنان، وأمام واقع لبناني جديد يدرك أن السلاح لم يوفر الردع الموعود.
لبنان اليوم أمام تحول جذري قد يعيد تركيبته من جديد، في ظل الحديث عن مفاوضات مباشرة مع إسرائيل وتخوف من تغير ديموغرافي نتيجة التدمير الممنهج.
ربما الحقيقة الوحيدة اليوم هي أن نفوذ “حزب الله” كقوة مهيمنة قد انتهى، لأن مقاومة الظلم ثابتة في الآرض، أمّا المشاريع المرتهنة للخارج فمصيرها الإنهيار بانهيار ركائزها الإقليمية.
