
بقلم ياسمين شعبان
سادت حالة من التخبط الكبير أروقة مجلس النواب خلال الأيام الماضية، وتحديداً يومي الاثنين والأربعاء، على وقع تباين وجهات النظر حول المسودة المقترحة لقانون العفو العام. ومع تصاعد حدة السجالات، يبرز السؤال الجوهري: ما هي أبرز المواد التي يحملها هذا المقترح في طياته؟..
وكيف يقرأ المعنيون بملف “المعتقلين الإسلاميين” هذه المسودة، في وقت لا تزال فيه آمال عائلاتهم معلقة بين نصوص قانونية معقدة وتوازنات سياسية هشة؟
هذه التساؤلات فرضت نفسها بعد أن اضطر نائب رئيس مجلس النواب، إلياس بو صعب، لإعلان إرجاء استكمال البحث في القانون إلى يوم الإثنين المقبل، إثر جلسة للجان المشتركة لم تدم سوى عشر دقائق. وأوضح بو صعب أن المشاحنات التي بدأت داخل القاعة وتمددت لتبلغ ذروتها على وسائل التواصل الاجتماعي، خلقت أجواءً من التشنج لا تخدم إقرار قانون “حساس” تعثر صدوره لأكثر من عشرين عاماً.
وفي محاولة لإنقاذ الموقف، كشف بو صعب عن توجه لتشكيل لجنة مصغرة تتولى دراسة نقطتين عالقتين في المسودة، بحثاً عن صيغة توافقية ترضي مختلف الأطراف. وشدد على أن الإصرار النيابي على إنجاز هذا التشريع الضروري يجب أن يقترن بمناخ من الهدوء، بعيداً عن منطق التصويت أو الانقسام، نظراً لارتباط هذا الملف الوثيق بالسلم الأهلي وحاجته لمقاربة وطنية شاملة تتجاوز المصالح الضيقة.
الحشيمي: نسعى لإنصاف السجناء وتصحيح حقبة “الأحكام الاستنسابيّة”
أوضح النائب الدكتور بلال الحشيمي لموقع “ديمقراطيا نيوز” أن المساعي البرلمانية لوضع قانون العفو العام يوم الأربعاء تأجلت للاثنين بسبب مادتين تتعلقان بالمدد السجنية ورسوم المحاكمات. وأشار الحشيمي إلى أن بعض النواب يسعون إلى زيادة التخفيضات في السنوات السجنية. فتلغى عقوبة الإعدام عبر تخفيضها إلى السجن لمدة 20 عاماً، ويُحفّض المؤبد إلى 15 عاماً، استلهاماً من قانون العفو لعام 1991.
وعزا الحشيمي هذا التوجه إلى ضرورة رفع المظلومية عن سجناء صدرت بحقهم أحكام وصفها بـ “الاستنسابية” خلال فترة الهيمنة الاستخباراتية السورية وسطوة المحاكم العسكرية.
وفي ما يخص ملف “الموقوفين الإسلاميين”، أكد الحشيمي تفهمه لمطالب أهاليهم بالعفو الشامل، مستدركاً بأن العمل الحالي يركز على مبدأ “اذا أردت أن تطاع عليك بالمستطاع” لضمان خروج الأغلبية، خاصة من قضوا سنوات طويلة دون محاكمة.
الخير يكشف تفاصيل قانون العفو العام: استثناءات واسعة وتخفيض للعقوبات الجنائية
أكد النائب أحمد الخير، أحد مقدمي اقتراح قانون العفو العام، لموقع “ديمقراطيا نيوز” أن الدوافع وراء هذا التشريع تنطلق من حاجة ملحة لرفع المظلومية عن فئة واسعة من اللبنانيين الذين واجهوا “عدالة انتقائية” على مدار أكثر من عقدين.
وأوضح الخير أن القانون يأتي لإنصاف مساجين قضوا ما بين عشر واثنتي عشرة سنة خلف القضبان دون محاكمات عادلة، ليتبين لاحقاً براءة بعضهم بعد فوات الأوان، متسائلاً عن الجهة التي ستعوض هؤلاء عما ضاع من أعمارهم. وإلى جانب البعد الحقوقي، شدد الخير على أن الوضع الإنساني الكارثي داخل السجون اللبنانية، وما تعانيه من اكتظاظ خانق تفاقم بسبب موجات النزوح من سجون الجنوب نتيجة الحرب، جعل من إقرار القانون واجباً أخلاقياً لا يمكن التغاضي عنه. مشيرًا إلى أن اللجان النيابية تواصل نقاشاتها المكثفة لختام مواد القانون ووضعه في صيغته النهائية تمهيداً لإقراره.
وفي ما يخص تفاصيل التشريع، أوضح النائب الخير أن القانون لا يمنح عفواً مطلقاً، بل يتضمن عدد من الاستثناءات التي تشمل جرائم القتل العمد وغير العمد، والإرهاب، والمخدرات، والخيانة والتجسس، بالإضافة إلى جرائم اختلاس المال العام والتعدي على الأملاك العامة والبيئة. وبيّن أن هؤلاء المستثنين سيخضعون لمبدأ “تخفيض السنة السجنية” بدلاً من العفو الكامل؛ حيث حدد المقترح تحويل عقوبة الإعدام إلى 25 سنة، وعقوبة المؤبد إلى 20 سنة.
وفي خطوة تهدف لتصحيح أخطاء الحقبات القضائية السابقة، كشف الخير عن مادة تمنح المستثنين من العفو والمشمولين بالتخفيض حق طلب إعادة المحاكمة لمرة واحدة أمام القضاء المختص، وذلك في الدعاوي الجنائية التي سبقت تاريخ نشر القانون. كما تضمن المقترح مادة قانونية تقضي بخروج أي سجين أمضى أكثر من 12 عاماً دون محاكمة، على أن تُستكمل إجراءات محاكمته من منزله.
وضرب الخير مثالاً توضيحياً ببعض الحالات الجنائية الشهيرة كحالة “نوح زعيتر”، مؤكداً أنه يقع ضمن دائرة الاستثناءات ولن يشمله العفو العام كونه مرتبطاً بقضايا مخدرات لم يُحاكم فيها بعد، بل سيطبق عليه مبدأ التخفيض فقط عند صدور الأحكام.
وختم الخير حديثه بالإشارة إلى التزام سياسي عالي المستوى، حيث وعد الرئيس نبيه بري بإدراج القانون على جدول أعمال الهيئة العامة في نفس الأسبوع الذي تنتهي فيه اللجان المشتركة من إنجاز كافة مواده.
عبد الفتاح: قانون العفو المقترح “استهداف سياسي” للطائفة السنية ويرسخ ازدواجية المعايير
أطلق القاضي الدكتور الشيخ خالد عبد الفتاح عبر “ديمقراطيا نيوز ” موقفاً حاداً تجاه مسودة قانون العفو العام المطروحة، معتبراً أنها تمثل استمراراً لنهج استهداف الطائفة السنية الذي بدأ منذ حقبة الوجود السوري وصولاً إلى مرحلة هيمنة “حزب الله” على مفاصل الدولة.
وأبدى عبد الفتاح استغرابه من أن يأتي المقترح الذي يستثني “الموقوفين الإسلاميين” في وقت يمثل فيه النواب والشارع السني المحرك الأساسي للمطالبة بالعفو ورفع الظلم، بينما تكتفي المكونات الأخرى بمواقف خجولة أو غياب تام عن الحراك.
وأشار عبد الفتاح إلى أن نحو 160 موقوفاً إسلامياً وقعوا ضحية لـ “قضاء عسكري” كان خاضعاً لنفوذ “حزب الله”، الذي استخدمه كأداة لاستهداف خصومه السياسيين. وكشف أن كثيراً من الاعتقالات استندت إلى قضايا تتعلق بحرية الرأي والفكر التي يكفلها الدستور، مثل “إعجاب” (Like) على منشور أو صورة، معتبراً أن المنطق الذي تتبعه السلطة اليوم هو “مكافأة الصامتين ومعاقبة المطالبين بالحقوق”، من خلال وضع قانون عفو يستثني من صرخوا ضد الظلم.
وفي سياق مقارنته للأحداث، لفت عبد الفتاح إلى أن الدولة غضت الطرف عن تدخل “حزب الله” في سوريا، في حين لاحقت أبناء السنة الذين تدخلوا هناك، مؤكداً أن هذا التفريق الجسيم يعكس سياسة الكيل بمكيالين. كما انتقد بشدة الأحكام القاسية التي صدرت في عهد العميد منير شحادة، والتي بلغت 40 حكماً بالإعدام والمؤبد خلال سنوات قليلة، معتبراً إياها أحكاماً مسيسة بامتياز.
وأوضح القاضي عبد الفتاح أن المطالبة بـ “تبييض السجون” وطي هذه الصفحة كانت تستوجب شمول الجميع، ورغم التحفظ الأخلاقي والوطني على شمول “عملاء لحد” أو “تجار المخدرات” بالعفو، إلا أن الطائفة السنية قبلت بذلك كتنازل مؤلم لضمان خروج الأبرياء والمظلومين من أبنائها.
وشدد على أن أي قانون يستثني الإسلاميين، وعلى رأسهم الشيخ أحمد الأسير، هو “قانون مرفوض جملة وتفصيلاً”، داعياً النواب السنة ومفتي الجمهورية ورئيس الحكومة إلى الوقوف بحزم ضد أي تشريع لا ينصف جميع الموقوفين الإسلاميين.
وختم عبد الفتاح بالإشارة إلى المأساة الإنسانية التي خلّفها القضاء العسكري، متحدثاً عن حالات نال فيها سجناء البراءة بعد 10 سنوات من الاعتقال التعسفي وضياع مستقبلهم وتشتت أسرهم. وطالب بضرورة إجراء محاكمات سريعة ونزيهة بدلاً من المماطلة التي تمتد لسنوات بسبب “نقص الآليات”، مؤكداً أن المتضررين يستحقون تعويضات بملايين الدولارات عن الظلم الذي لحق بهم، ومعتبراً أن التنازل عن شمولهم بالعفو هو خيانة لحقوقهم الإنسانية والوطنية.
