ماذا لو استُهدف سد القرعون؟ تداعيات تتجاوز البعد العسكري إلى السياسي والإنمائي

بقلم راما الجراح

في ظل التصعيد القائم في الجنوب والبقاع الغربي، تزداد المخاوف من اتساع دائرة الاستهداف لتطال مواقع ومرافق تُعد من الركائز الأساسية للبنية التحتية المدنية في لبنان. ويأتي ذلك في وقت شهد فيه محيط سد القرعون خلال الأيام الماضية سلسلة غارات متتالية، ما أعاد طرح علامات استفهام حول مستوى المخاطر التي قد تطال واحدة من أهم المنشآت المرتبطة بالأمن المائي والزراعي والكهربائي في البلاد، وما يمكن أن يترتب على أي تصعيد إضافي في محيطها من تداعيات تتجاوز النطاق المحلي إلى أبعاد أوسع.

تداعيات الاستهداف على الأمن المائي والكهربائي

حذّر المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني الدكتور سامي علوية، في حديث خاص لموقع ديمقراطيا نيوز، من خطورة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على محيط سد القرعون، ولا سيما الطريق الخلفية المحاذية له، معتبراً أن الاستهداف طال جزءاً أساسياً من المنشأة الهندسية المرتبطة مباشرة بحماية جسم السد وسلامته الإنشائية. وأشار إلى أن الغارات التي نُفذت في 26 أيار 2026 استهدفت الطريق أكثر من مرة خلال أقل من ساعة، فيما كانت المسيّرات تلاحق أي حركة في المنطقة، ما أدى إلى قطع المنفذ الوحيد لبعض قرى البقاع الغربي.

وأوضح أن الطريق المستهدفة تُشكّل جزءاً من المنشأة الخلفية للسد، وتؤدي دوراً أساسياً في تثبيت الصخور ومنع انزلاقها نحو القاعدة، ما يجعل أي استهداف لها تهديداً مباشراً لمنظومة الحماية الهندسية الخاصة بالسد. كما حذّر من أن أي خلل إنشائي أو استهداف مباشر قد يقود إلى كارثة وطنية، إذ تشير الدراسات إلى احتمال تشكّل موجة مائية ضخمة بارتفاع يقارب 40 متراً تجتاح المناطق الواقعة أسفل السد وصولاً إلى القاسمية، مهددة أكثر من خمسين بلدة في البقاع الغربي والنبطية ومرجعيون وصور، إضافة إلى أضرار واسعة في قطاعات المياه والري والطاقة والزراعة والبنية التحتية، فضلاً عن احتمال تأثر التغذية الكهربائية في أكثر من 112 بلدة ضمن حوضي الليطاني والأولي.

وكشف علوية عن سلسلة اتصالات جرت مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة ووزير الطاقة وقيادة الجيش اللبناني، إلى جانب تواصل عبر الجهات المختصة مع الجانب الأميركي، بهدف تحييد السد عن أي استهداف مباشر. وفي الإطار الوقائي، جرى التنسيق لإقفال الطريق المؤدية إلى السد ومنع التجمعات في محيطه، وصولاً إلى اعتبار منطقة سد القرعون منطقة عسكرية مغلقة، في خطوة ساهمت في الحد من المخاطر وحماية المنشأة.

وفي موازاة التحركات السياسية والدبلوماسية، ثبّتت المصلحة الاعتداءات الإسرائيلية بمحضر قضائي رسمي لتوثيق الأضرار والمخاطر ومنحها قوة قانونية يمكن الاستناد إليها أمام الجهات القضائية والهيئات الدولية المعنية بحماية المنشآت المدنية. كما وجّهت رسالة إلى المدير التنفيذي لمجموعة البنك الدولي عبد العزيز الملا، حذّرت فيها من المخاطر التي تهدد السد والمشاريع الدولية المرتبطة به، ولا سيما مشروع جر مياه الأولي إلى بيروت ومشاريع الطاقة المتجددة المرتبطة بمعامل الليطاني، مؤكدة أن استهداف سد القرعون أو أي من منشآته يشكل جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني لما قد ينتج عنه من تهديد مباشر للأمن المائي والغذائي والطاقة والبنية التحتية الحيوية في لبنان.

بين رسائل الضغط وتوسّع قواعد الاشتباك:

ويؤكد الأستاذ الجامعي علي مراد في حديث خاص لموقع ديمقراطيا نيوز أن استهداف المنشآت الحيوية مثل سد القرعون يرقى إلى جريمة حرب موصوفة، تُضاف إلى جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل من تدمير واستهداف للمدنيين وعمليات التهجير القسري.

يمكن قراءة استهداف محيط سد القرعون بوصفه تطوراً لافتاً في مسار التصعيد، ليس لأن السد كان هدفاً مباشراً بحد ذاته، بل لأن الاقتراب من منشأة بهذه الحساسية يعكس مستوى جديداً من الضغط الموجّه إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها، نظراً لما يمثله السد من ركيزة أساسية في منظومة الأمن المائي والزراعي والكهربائي، بحسب مراد.

سياسياً، يلفت مراد إلى أن هذا التطور يحمل دلالات تتجاوز البعد الميداني، إذ يندرج ضمن رسالتين متوازيتين: الضغط على حزب الله من جهة، وعلى الدولة اللبنانية من جهة أخرى، بما يوحي بأن استمرار الاشتباك خارج إطار قرار الدولة قد ينعكس على منشآتها الحيوية، ويحوّل الاستهداف إلى أداة ضغط غير مباشر على الحكومة والجيش والمؤسسات الرسمية.

أما على مستوى قواعد الاشتباك، فيعتبر أن هذا السلوك يعكس محاولة لتوسيع هامش الأهداف ضمن بيئة التصعيد، من دون الانتقال إلى إعلان صريح عن استهداف البنى التحتية المدنية، ما يرفع منسوب المخاطر المرتبطة باقتراب العمليات من منشآت حساسة، ويفتح الباب أمام واقع أكثر هشاشة في إدارة قواعد الاشتباك وحدودها.

في المحصلة، يضع هذا التصعيد محيط سد القرعون في دائرة حساسة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع المخاطر المرتبطة بالبنية التحتية الحيوية، ما يعزز منسوب القلق حيال انعكاساته المحتملة على الأمن المائي والإنمائي في لبنان. وبين التحذيرات التقنية والقراءات السياسية، تبرز الحاجة إلى تكثيف الجهود الرسمية والدبلوماسية لتثبيت حماية فعالة للمنشآت المدنية، ومنع انزلاقها إلى دائرة الاستهداف المباشر أو غير المباشر في ظل استمرار التوتر في المنطقة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top