بين الرعاية الأميركية والفيتو الإيراني:هل تنجح مفاوضات واشنطن في فرض وقف إطلاق النار وانهاء الإحتلال؟

بقلم ندى جوني
 
شكلت جولة المفاوضات الثلاثية الرفيعة المستوى التي احتضنتها العاصمة الأميركية واشنطن يومي 2 و3 حزيران 2026، منعطفاً سياسياً بارزاً في مسار الصراع، حيث أسفرت عن بيان مشترك بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يعلن تفعيل وتجديد اتفاق وقف إطلاق النار الميداني. وجاء هذا الاتفاق برعاية أميركية مباشرة بهدف تكريس معادلة ميدانية جديدة تقوم على إحلال الجيش اللبناني كقوة حصرية تفرض السيادة الكاملة على الأرض عبر ما عُرف بـ “المناطق الأمنية التجريبية” (Pilot Zones)، بدءاً من قطاع جنوب نهر الليطاني وصولاً إلى مشارف نهري الزهراني والأولي، مقابل انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي وتفكيك البنى التحتية العسكرية غير التابعة للدولة. إلا أن الأهمية الاستراتيجية لهذا الاتفاق لم تقتصر على شروطه العسكرية، بل برزت في أبعاده السياسية التي استهدفت مباشرةً عمق الملف الإيراني؛ إذ تضمن البيان إدانة صريحة للأنشطة الإيرانية ورفضاً قاطعاً لرهن مستقبل لبنان لجهات خارجية، في محاولة أميركية واضحة تقودها إدارة ترامب لفرض فصل كامل بين الملفين اللبناني والإيراني، وحرمان طهران من استخدام الساحة اللبنانية كورقة ضغط إقليمية.
وضع هذا التوجه الداخل اللبناني أمام معادلة شديدة التعقيد والتناقض؛ ففي حين يثبت الاتفاق في شكله العام السيادة اللبنانية ويرفض إعطاء إسرائيل شرعية الاحتلال، فإنه يصطدم بفيتو سياسي وعسكري من حزب الله الذي يرفض مطلقاً صيغة التفاوض المباشر وفصل المسار اللبناني عن الإيراني، متمسكاً بالترابط الإقليمي لضمان مصالحه، ومتسلحاً بخطاب أمينه العام الشيخ نعيم قاسم التهديدي بربط المقاومة بوجود الاحتلال وخروقاته.
 
 
بسام ياسين: تعقيدات ميدانية تجعل اتفاق “المناطق التجريبية” وانسحاب حزب الله أمراً مستحيلاً وعرضة للانهيار
 
يرى العميد الركن بسام ياسين أن هذا الاتفاق لن يجد طريقه إلى التنفيذ على أرض الواقع نظراً لطبيعته التعجيزية، حيث إن فكرة تسليم “المناطق التجريبية” مرفوضة جملة وتفصيلاً من الأساس، ولكن فرضاً لو جرى القبول بها، فإنها ستتحول حتماً إلى جزء من ميكانيكية عسكرية تُدار عبر غرفة عمليات وتنسيق مشتركة تحدد بدقة المناطق التي سيتراجع عنها الإسرائيلي، وآلية وتوقيت تسلّم الجيش اللبناني لها. وفي هذا السياق، يوضح العميد ياسين أن الجيش اللبناني كان موجود بالفعل في منطقة جنوب نهر الليطاني، وقد استطاع أن يبقى ثابتاً في مواقعه حتى هذه اللحظة، وهو يمتلك القدرة الكاملة على الانتشار الفوري، إلا أن طرح فكرة حلوله محل حزب الله كقوة وحيدة يتطلب بطبيعة الحال تسليحاً أفضل وجهوزية عسكرية وأمنية أعلى بكثير مما هي عليه الآن. ويصف ياسين المطلب الإسرائيلي بانسحاب حزب الله إلى شمال الليطاني بأنه شرط تعجيزي وغير واقعي، لكون عناصر الحزب يمثلون أبناء هذه البيئة وأهالي القرى أنفسهم، ومن غير الممكن إجبار الناس على ترك بيوتهم ومغادرة أرضهم، مستشهداً بما حدث في التجربة السابقة بعد إعلان وقف إطلاق النار الأول في 27 تشرين الثاني 2024، حيث لم يكن لحزب الله وجود مسلح ظاهر جنوب الليطاني حينها، وجرى تفتيش المنطقة بكاملها لتؤكد التقارير والميكانيكيات المعتمدة أن 98% من منطقة جنوب الليطاني كانت خالية تماماً من السلاح، ومع ذلك، استطاع حزب الله العودة إلى جنوب الليطاني في لحظة خاطفة لأن إعادة تثبيت وجوده هناك هي أهون الأمور بالنسبة له كابن لتلك القرى. ويبدو التحدي الأكبر والأكثر تعقيداً في الإصرار الإسرائيلي على تفكيك البنية التحتية للحزب في كافة الأراضي اللبنانية، وهو ما يفسر السعي لتوسيع نطاق “المناطق التجريبية” (Pilot Zones) لتتمدد تدريجياً من جنوب الليطاني إلى شماله، وصولاً إلى المناطق الواقعة بين نهري الزهراني والأولي، وهو ما يدفع العميد بسام ياسين للجزم بأن هذا الاتفاق لن يسير قدماً وأن المشهد الميداني والسياسي ما زال محكوماً بتعقيدات بالغة تمنع تطبيقه.
 
 
علي الأمين: الاتفاق يُثبّت السيادة اللبنانية مبدئياً لكنه يصطدم بفيتو حزب الله على فصل المسار عن إيران
 
يرى الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين أن أي اتفاق يُبرم اليوم ويُشدد على وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي الكامل هو خطوة في غاية الأهمية وتقوم الدولة اللبنانية بجهد أساسي ومطلوب فيها؛ لكون الاتفاق يؤكد في مبدئه على فرض السيادة اللبنانية ولا يمنح إسرائيل أي شرعية للاحتلال أو ممارسة ما تسميه حق الدفاع عن النفس خارج حدودها، بل يقضي صراحة ببدء استلام الجيش اللبناني للأرض وللمناطق التجريبية فور خروج قوات الاحتلال. ومع ذلك، يبرز السؤال العملي والمحوري حول مدى التزام إسرائيل وحزب الله بهذا المسار، لا سيما بعد اللهجة التصعيدية الأخيرة للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الذي جدد معادلته بأنه طالما أن هناك احتلالاً فهناك مقاومة، وهو مؤشر مقلق خاصة وأن الاتفاق يترتب ميدانياً على حساب النفوذ العسكري للحزب عبر إحلال الجيش اللبناني كقوة وحيدة جنوب نهر الليطاني في المرحلة الأولى.
وفي عمق المشهد السياسي، يوضح الأمين أنه على الرغم من حاجة حزب الله للانسحاب الإسرائيلي الفوري، إلا أنه يبدي رفضاً قاطعاً لفكرة المفاوضات السياسية والأمنية المباشرة بين لبنان وإسرائيل، ويسعى حثيثاً للتأكيد على أن هذا الملف يجب أن يظل حصراً في يد إيران؛ حيث يرفض الحزب تماماً محاولات فصل الملف اللبناني عن الإيراني لكون هذا الفصل لا يخدم مصالحه الاستراتيجية، ويبعث برسائل غير مباشرة مفادها أن أي اتفاق يُقصي طهران من طاولة صياغته لن يحظى بقبوله.
أما في الشق الميداني المرتبط باحتمالات خفض التصعيد، يشير الأمين إلى أنه في حال بدأت إسرائيل بخفض وتيرة عملياتها العسكرية، سيجد حزب الله نفسه في موقف حرج وضيق للغاية؛ فإذا بادر هو إلى خرق الهدنة والرد عسكرياً سيتعرض لضغوط وانتقادات داخلية حادة، وفي الوقت عينه، هو يرفض تماماً القبول بعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل اندلاع هذه الحرب في 2 آذار 2026. بناءً على ذلك، يصبح السيناريو المرجح هو التزام الحزب بوقف التصعيد مؤقتاً ومراقبة السلوك الإسرائيلي، لكن في حال استمرت إسرائيل بخروقاتها، فإن حزب الله سيرد حتماً، ما قد يدفع إسرائيل لشن عملية عسكرية ثانية تكون أشد قسوة وتدميراً. ويخلص علي الأمين إلى أن جوهر الاستراتيجية الأميركية منذ البداية، والتي يقودها الرئيس ترامب، يكمن في الإصرار على فصل الملف اللبناني عن الإيراني بشكل كامل، حيث تسعى واشنطن جاهدة لإنجاز اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان أولاً، لكسر الترابط الإقليمي الذي تحاول طهران التمسك به لتعزيز أوراقها التفاوضية.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top