
بقلم ياسمين شعبان
لم تعد أزمة النزوح في لبنان مجرد حالة طوارئ مؤقتة ترتبط بتوقيت المعارك وصوت المدافع، بل تحولت إلى معضلة بنوية طويلة الأمد لن تجد طريقاً للحل حتى مع أي هدنة مرتقبة أو وقف لإطلاق النار. فالدمار الهائل والممنهج الذي لحق بقرى وبلدات الجنوب، وتحوُّل أحياء كاملة فيه إلى ركام، نسف إمكانية العودة السريعة لمئات الآلاف من الذين باتوا بلا بيوت أو بدائل سكنية في مناطقهم؛ هذا الواقع حوّل مراكز الإيواء المؤقتة في المدارس الرسمية والمخيمات المستحدثة على الواجهات البحرية إلى أمر واقع قسري يضغط بثقله على المدن والمناطق المضيفة، ويضع البنى التحتية المنهكة والنسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد أمام استحقاق مصيري يتجاوز حدود إدارة الأزمة إلى مواجهة خطر الانهيار الشامل.
عيتاني: العاصمة فقدت قدرتها الاستيعابية ومخيم “البيال” ينذر بقنبلة ديموغرافي
أكدت رئيسة منظمة “Resilient Beirut” المهندسة رشا عيتاني لموقع “ديموقراطيا نيوز” أن العاصمة بيروت، ورغم كونها الصدر الرحب لاستضافة النازحين دائماً، لم يعد لديها أي قدرة استيعابية لاستقبال المزيد منهم في حال استمرار التصعيد، مشيرة إلى أن المدينة التي تعاني بناها التحتية ونظامها الخدماتي من هشاشة مزمنة قبل الحرب، باتت تواجه خطر الانهيار الشامل نتيجة الكثافة السكانية المفاجئة التي رفعت نسبة إشغال مراكز الإيواء الرسمية والشقق إلى حدها الأقصى، مما فجّر أزمات متلاحقة كأزمة النفايات، ومخاوف جفاف شبكات المياه، وإنهاك قطاع الطاقة، ليتولّد من أي موجة نزوح إضافية فتيل لانفجار خدماتي وصحي واجتماعي تفوق قدرة المدينة على التحمل.
ولفتت عيتاني إلى أن حركة النزوح الواسعة تترك انعكاسات عميقة؛ فمن الناحية الاقتصادية، تسببت بشلل تام للقطاعين الزراعي والتجاري في الجنوب، مقابل نقلة اقتصادية قسرية في بيروت وجبل لبنان تمثلت بإعادة فتح مؤسسات الضاحية الجنوبية لأبوابها هناك كأمر واقع للاستمرارية، مما خلق فقاعة اقتصادية مؤقتة وارتفاعاً جنونياً في الأسعار والإيجارات، بينما يطرح النزوح طويل الأمد خطورة بالغة اجتماعياً على التغيير الديموغرافي والتوازن الطائفي والمناطقي الحساس، في حين يتزايد الضغط أمنياً على الأجهزة العسكرية لمنع الاحتكاكات والحساسيات الداخلية.
وفي سياق متصل، اعتبرت عيتاني أن تجمع خيام النازحين الذي نظمته بلدية بيروت في الواجهة البحرية “البيال” يشكل نموذجاً صارخاً لمآسي الحرب التي دفعت بمئات النازحين لافتراش الأرصفة ونصب الخيام، محذرة من خطورة تحول هذا الإجراء المؤقت إلى أمر واقع دائم يُغيّر المعلم الجمالي والسياحي الأبرز للعاصمة، خاصة في ظل المخاوف السياسية والاجتماعية من مأسسة هذه المخيمات وتحولها لبؤر عشوائية يصعب إخلاؤها لاحقاً لغياب البدائل السكنية ورفض الانتقال لأماكن أخرى كـ “المدينة الرياضية” لأسباب أمنية ولوجستية.
وختمت رئيسة منظمة “Resilient Beirut” بالإشارة إلى أن هذا الواقع يفرض تحدياً مزدوجاً يتمثل في صون كرامة النازحين وتأمين مأوى لائق لهم من جهة، ومواجهة هواجس التغيير الديموغرافي وتراجع الحيوية الاقتصادية للمنشآت المحيطة من جهة أخرى، مؤكدة أن تنظيم الإيواء أو تفكيك المخيم وتأمين العودة بات ضرورة قصوى لمنع تحول الأزمة إلى قنبلة موقوتة في قلب العاصمة.
عاليه بين النزوح الموسمي ومعضلة مراكز الإيواء: إدارة الأزمة تتحدى محدودية الإمكانيات
أكد عضو بلدية عاليه الأستاذ فادي شهيب لموقع “ديموقراطيا نيوز” أن المدينة تواجه تحديات لوجستية واجتماعية متزايدة جراء حركة النزوح المستمرة، مشيراً إلى وجود تمايز واضح بين النازحين المستأجرين الذين اندمجوا بشكل طبيعي في النسيج المحلي، وبين أولئك المقيمين في مراكز الإيواء والمدارس الرسمية، والذين يشكل استمرار وجودهم المعضلة الأساسية حالياً.
وأوضح شهيب أن الأزمة الحقيقية تكمن في هذه المراكز، خصوصاً مع اضطرار المدارس لإجراء الامتحانات لطلابها والتحضير للعام الدراسي المقبل، متسائلاً عن كيفية بقاء هؤلاء النازحين في المدارس في ظل تدمير قراهم وغياب البدائل السكنية، مما يستدعي تأمين أماكن مؤقتة لهم بانتظار مرحلة إعادة الإعمار.
ولفت إلى أن حركة النزوح ترتبط بالظروف الميدانية والإنذارات الأمنية؛ حيث يعمد الكثير من المستأجرين إلى العودة إلى الضاحية الجنوبية في فترات التهدئة، ثم يعودون إلى شققهم الجاهزة والمستأجرة في عاليه عند أي تصعيد، بخلاف نازحي مراكز الإيواء الذين بات استمرار تواجدهم في المدارس أمراً صعباً للغاية.
أما على الصعيدين الاقتصادي والخدماتي، فقد أشار إلى أن الأعداد الكبيرة أثقلت كاهل الشوارع والبنى التحتية غير المؤهلة أساساً لاستيعاب هذا الحجم من السكان، مما تسبب بنقص حاد في المياه وتراكم النفايات التي تقع مسؤولية إزالتها على عاتق البلدية، بالإضافة إلى بروز توترات بين النازحين أنفسهم والمستأجرين حول القدرة على دفع بدلات الإيجار نتيجة الوضع الاقتصادي المتردي الذي ينعكس على الجميع.
وختم شهيب بالتشديد على أن البلدية، وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والشرطة البلدية، تفرض رقابة دقيقة لضبط الأمن ومعرفة كافة الوافدين، مستفيدة من الخبرات المتراكمة التي اكتسبتها في الحروب السابقة لإدارة الأزمة الحالية بالتعاون الوثيق مع الأحزاب، الجمعيات الأهلية، وزارة الشؤون الاجتماعية، والصليب الأحمر اللبناني، مؤكداً في الوقت عينه أن الإمكانيات المادية للبلدية تبقى محدودة جداً أمام حجم هذه الأعباء المتزايدة.
