تصعيد ال 12 ساعة: ترامب يفرض التهدئة وطهران تسعى للإطاحة بفصل الملفين


بقلم ندى جوني
 
خلال 12 ساعة فقط، حبست المنطقة أنفاسها مع اشتعال المواجهة المباشرة مجدداً بين إيران وإسرائيل، قبل أن يعلن الجانبين عن وقف التصعيد. لقد بدأت جولة التصعيد هذه بعدما قصفت إسرائيل الضاحية الجنوبية لبيروت بذريعة الرد على صواريخ حزب الله، وذلك بعد أيام من تراجع نتنياهو عن خطوة مماثلة بضغط أمريكي. استدعى هذا الخرق رداً إيرانياً فورياً بالصواريخ نحو العمق الإسرائيلي، لتفرض طهران معادلة ردع جديدة تتوعد فيها بالضرب المباشر إذا تعرض أي جزء من الأراضي اللبنانية للقصف، وليس بيروت فقط. ورغم إعلان إسرائيل استعدادها لـ”أيام قتالية”، إلا أن الردود لجمت فجأة بطلب وضغوط حثيثة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتأتي هذه التهدئة في وقت حساس يتحدث فيه ترامب عن تقدم ملموس في كواليس المفاوضات حول الملف النووي، مما يعكس رغبة واشنطن في حماية هذا المسار الدبلوماسي.
 
 
مارسيل بالوكجي: تفكيك وحدة الساحات يرهن جنوب لبنان للتصعيد.. وترامب يماطل بالنار لصياغة تسوية إقليمية مشروطة
 
يرى الخبير العسكري والاستراتيجي مارسيل بالوكجي أن جولة التصعيد الصاروخي المتبادل الأخيرة لم تنجح في إعادة إحياء معادلة “وحدة الساحات” التي تسعى طهران لفرضها؛ إذ يوضح أن الإدارة الأمريكية ما زالت متمسكة بـمسار الفصل الاستراتيجي، حيث يمارس البيت الأبيض ضغوطاً مدروسة على تل أبيب لضبط إيقاع ضرباتها بهدف إبقاء المسار الميداني والعسكري منفصلاً عن كواليس المفاوضات السياسية القائمة مع إيران. ويلفت بالوكجي إلى أن المؤشرات الحالية تؤكد أن الحرب لن تنزلق إلى مواجهة إقليمية شاملة ومفتوحة، نظراً لغياب الرغبة الحقيقية في توسيع رقعة الصراع لدى كل من واشنطن وطهران على حد سواء

في المقابل، يتوقع بالوكجي جولة قادمة من التصعيد الميداني العنيف، معتبراً أن معادلة الضاحية الجنوبية مقابل شمال إسرائيل قد سقطت عملياً، وأن حزب الله يتجه لكسر هذه القواعد عبر مواصلة إطلاق الرشقات الصاروخية لسببين جوهريين؛ أولهما عدم قناعته بالصيغة الحالية للمعادلة، وثانيهما استشعاره بأن إسرائيل تخطط لتكثيف وتوسيع عملياتها البرية في جنوب لبنان بهدف السيطرة على مدينة النبطية، والتي تشكل السيطرة عليها ضربة كبيرة على مستوى الحاضنة الشعبية والعمق الإستراتيجي. ويرى بالوكجي أن ضربات حزب الله الحالية ما هي إلا محاولة تفاوض بالنار غير مباشرة لتحسين شروطه، مؤكداً أن هذه المناورة لن تؤتي ثمارها بسبب الإصرار الأمريكي الصارم على عدم فتح أي قنوات تفاوضية إلا من خلال مؤسسات الدولة اللبنانية الرسمية.

وبناءً على هذا المشهد، يخلص بالوكجي إلى أن الساحة اللبنانية ستبقى تقيس برودة وسخونة الحراك الدبلوماسي الدولي، حيث تستخدم إسرائيل الآلة العسكرية كأداة ضغط لفرض واقع ميداني جديد يجبر الجيش اللبناني على الانتشار، أو يستقدم مواكبة دولية صارمة لتنفيذ القرارات على الأرض، محذراً من أن استمرار رفض حزب الله لمبدأ حصرية السلاح سيعني تدفيع لبنان ثمناً ميدانياً متمثلاً في مزيد من الاحتلال الإسرائيلي وقضم الأراضي. كذلك، يكشف بالوكجي أن تصريحات ترامب المتفائلة لا تعكس النوايا الحقيقية، بل هي مجرد مماطلة سياسية تهدف لتمرير فترة الشهرين المقبلين وصولاً إلى الانتخابات النصفية الأمريكية، مؤكداً أن ترامب موافق ضمناً على توجيه ضربات موجعة لإيران وحزب الله، بل إنه قد يذهب إلى الاستعانة بالساحة السورية إذا دعت الحاجة لتفكيك البنية التحتية للحزب ومحاصرة إمداداته. ويختم بالوكجي بالقول إن المفاوضات الدولية ستكون طويلة وشاقة؛ فالملف النووي لم يحل والأموال الإيرانية المحجوزة لا تزال معلقة، فضلاً عن بروز شرط استراتيجي جديد في المطبخ التفاوضي يتعلق بمضيق هرمز، حيث بات المجتمع الدولي يرفض رفع الحصار عنه دفعة واحدة، ويصر على تفكيك العقوبات تدريجياً لربطها بسلوك طهران الإقليمي.
 
طوني بولس: الخطاب الإيراني الأخير اعتداء صارخ على السيادة اللبنانية
 
أشار الصحافي طوني بولس إلى أن الخطر الحقيقي في التطورات الأخيرة لا يكمن في إطلاق الصواريخ الإيرانية بحد ذاته، بل في الخطاب السياسي المرافق لها؛ حيث اعتبر أن طهران انتقلت من لغة دعم حليف سياسي إلى لغة الحماية المباشرة لطائفة ومنطقة بعينها، وتحديداً الضاحية الجنوبية، وهو ما يعد اعتداءً مباشراً على مفهوم الدولة والسيادة الوطنية وتجاوزاً لكل الأعراف الدبلوماسية.

وذكر بولس أن هذا السلوك يكرس نموذجاً خطيراً قد يدفع بقية المكونات اللبنانية للمطالبة بحمايات خارجية مقابلة، مما يهدد بتحويل لبنان من دولة موحدة إلى مجموعة “كانتونات” ومناطق نفوذ تخضع لعواصم إقليمية متصارعة، مشدداً على أن قبول هذا المنطق يعني عملياً إنهاء وجود الدولة اللبنانية ككيان مستقل.

وفي سياق تحليله لوضع حزب الله، أضاف بولس أن لجوء طهران للتدخل المباشر هو اعتراف ضمني بالأزمة العميقة التي يعيشها الحزب؛ فبعد سنوات من تقديمه لنفسه كـ”مدافع” عن المحور، وجد نفسه اليوم بحاجة لغطاء إيراني لحمايته سياسياً ومعنوياً أمام بيئته الحاضنة، مؤكداً أن الصواريخ الإيرانية كانت “رسالة معنوية” للداخل اللبناني أكثر منها عسكرية لإسرائيل، تهدف لضخ الروح في جمهور الحزب الذي بدأ يستشعر خطر الانهيار التنظيمي.

وعلى صعيد مؤسسات الدولة، أشار بولس إلى أن زيارة قائد الجيش اللبناني إلى باكستان في هذا التوقيت الحساس تثير علامات استفهام حول وحدة الرسائل السياسية التي يرسلها لبنان للخارج، حيث لا يمكن للدولة أن تفاوض واشنطن بيد وتفتح قنوات إقليمية موازية بيد أخرى، وهو ما قد يهز ثقة المجتمع الدولي بوضوح الخيارات الاستراتيجية اللبنانية.

وختم بولس بالإشارة إلى أن لبنان يقف اليوم أمام اختبار سيادي حقيقي لا يحتمل المواقف الرمادية، مضيفاً أن المطلوب هو استعادة القرار الوطني وحصرية السلاح، بدلاً من بقاء لبنان ساحة أو منصة تُستخدم لخدمة المشاريع الخارجية وفق حسابات إقليمية لا تخدم المصلحة اللبنانية العليا.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top