اتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي: هل يبدأ لبنان أخطر مراحله؟

بقلم ندى جوني

شهدت العاصمة الأميركية واشنطن يوم 26 حزيران 2026 تحولاً بارزاً في مسار الصراع بين اسرائيل ولبنان، حيث وقع الوفدان على “اتفاق إطاري مشترك” خلال الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة، وذلك بعد تعثرها في اليومين الأولين. ويهدف هذا الاتفاق برعاية أميركية ودولية، إلى وضع خريطة طريق لإنهاء العمليات العسكرية وبسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها. إلا أن هذا الاختراق الدبلوماسي يواجه على المقلب الآخر مأزقاً داخلياً حرجاً؛ إذ أعلنت قيادة حزب الله رفضها القاطع لبنود الاتفاق، معتبرة أن شروطه الأمنية تمس بسلاح المقاومة وتوازنات الردع. يضع هذا الشرخ السياسي البلاد أمام سيناريوهات ميدانية معقدة، وسط تصريحات ومخاوف جديّة من احتمال انزلاق الأوضاع نحو صدام مباشر بين الجيش اللبناني المطالَب دولياً بفرض بنود الاتفاق وحصر السلاح وبين مقاتلي حزب الله في جنوب لبنان.

سمير سكاف: الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي يضع حزب الله أمام مواجهة داخلية واحتمال التصعيد ليس بعيدًا

اعتبر الكاتب والخبير في الشؤون الدولية سمير سكاف أن الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي يمثل تحولًا استراتيجيًا ستكون له تداعيات مباشرة على حزب الله وإيران، مرجحًا أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيدًا سياسيًا وأمنيًا، مع احتمال أن يبادر حزب الله إلى خطوات ميدانية في وقت ليس ببعيد.

وأشار سكاف إلى أن احتمال عودة حزب الله إلى إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه الداخل الإسرائيلي يبقى قائمًا، كما رأى أن حزب الله قد يتجه أيضًا إلى مواجهة السلطة اللبنانية التي يعتبرها، بحسب تعبيره، “فاقدة للشرعية والميثاقية”، معتبرًا أن الاتفاق لن يمر بسهولة بالنسبة إلى الحزب وإيران. وأكد أن الاعتراف اللبناني الرسمي، وفق قراءته، يشكل “زلزالًا دبلوماسيًا وأمنيًا” بالنسبة إلى حزب الله وطهران، لأن الاتفاق يخرج لبنان من معادلة وحدة المسارين التي اعتمدتها إيران طوال السنوات الماضية، وهو ما سيدفع الحزب إلى محاولة تعطيل مفاعيله، سواء عبر التصعيد السياسي أو الأمني.

وأضاف سكاف أن الظروف الحالية تختلف عن أحداث السابع من أيار 2008، بعدما تلقى حزب الله ضربات قاسية تمثلت باغتيال أمينه العام السابق السيد حسن نصر الله، وخليفته السيد هاشم صفي الدين، وعدد كبير من قادته العسكريين، إلى جانب الخسائر التي لحقت ببنيته العسكرية وبيئته الحاضنة. إلا أنه رأى أن ذلك لا يمنع الحزب من تنفيذ تحركات قد لا تكون نسخة مطابقة لما حصل في 7 ايار 2008 لكنها قد تشبهها في الشكل أو النتائج. وأشار إلى أن الحزب يدرك أيضًا أن أي تحرك داخلي قد يواجه هذه المرة برد أكثر جدية من قبل السلطة اللبنانية، وإن كان القرار السياسي لا يزال يتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة مع الحزب.

ورأى سكاف أن الاتفاق يواجه ثلاثة تحديات أساسية قد تؤدي إلى انهياره، تتمثل في استحالة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الخط الأصفر، واستحالة تخلي حزب الله عن سلاحه، إضافة إلى صعوبة تثبيت وقف دائم لإطلاق النار في الجنوب، سواء نتيجة الخروقات الإسرائيلية أو أي رد عسكري من الحزب أو مبادرة إيرانية.

وأوضح أن هذه العوامل قادرة، وفق تقديره، على تعطيل الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، وربما التأثير أيضًا في أي تفاهمات أميركية إيرانية، إذا استمرت طهران في ربط الساحات الإقليمية ببعضها البعض.

وفي المقابل، لفت إلى أن الاتفاق يحمل عددًا من الإيجابيات المحتملة، أبرزها الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من بعض المناطق، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين، وإعادة تثبيت وقف إطلاق النار، وتهيئة الظروف لعودة الأهالي وإعادة الإعمار، إضافة إلى فتح الباب أمام مسار سلام طويل الأمد في حال معالجة ملف سلاح حزب الله، وما قد ينعكس إقليميًا على العلاقات العربية – الإسرائيلية.

وختم سكاف بالتأكيد أن لبنان يدخل مرحلة شديدة الحساسية، تتحرك فيها السلطة اللبنانية وحزب الله وفق مسارين مختلفين قد يقودان إلى مواجهة سياسية وأمنية، محذرًا من أن ارتدادات الاتفاق ستكون، في رأيه، أمنية بالدرجة الأولى، ما يستوجب استعداد الدولة اللبنانية لمختلف السيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة.

أسعد بشارة: انتهى زمن استخدام لبنان كورقة تفاوض إيرانية… والدولة بدأت تستعيد قرارها

يرى الصحفي والكاتب السياسي أسعد بشارة أن المرحلة الحالية تختلف جذريًا عن المحطات السابقة التي كان فيها حزب الله قادرًا على فرض معادلاته الداخلية بالقوة. ويؤكد أن التطورات التي أعقبت توقيع الاتفاق أظهرت بوضوح أن حزب الله لم يعد يمتلك الهامش الذي كان يسمح له بإسقاط الحكومات أو جرّ البلاد إلى مواجهات داخلية على غرار ما حدث في أحداث السابع من أيار عام 2008.

وأوضح بشارة، في مقابلة خاصة، أن ما جرى بعد توقيع الاتفاق كان بمثابة بروفة كشفت حدود قدرة حزب الله على الذهاب نحو الفوضى الداخلية، سواء عبر قطع الطرقات أو إقفال طريق المطار أو إسقاط الحكومة. وقال إن الظروف الداخلية والخارجية تبدلت بصورة جذرية، مشيرًا إلى أن لبنان يمتلك اليوم دولة، ولو بالحد الأدنى من أدوات القوة، قادرة على منع الانزلاق إلى الفوضى وفرض قدر من سلطة القانون.

وأضاف أن الدولة اللبنانية لا تتجه نحو مواجهة عسكرية مع حزب الله في الشارع، إذ لا يوجد قرار سياسي بالاصطدام المباشر، إلا أن هناك قرارًا واضحًا باستكمال تنفيذ الاتفاق تدريجيًا، بدءًا من المناطق التي تُعدّ نموذجًا أو “مناطق تجريبية”، وصولًا إلى تعميم تطبيقه على كامل الأراضي اللبنانية.

واعتبر بشارة أن أهمية الاتفاق لا تقتصر على جوانبه الأمنية، بل تمتد إلى إعادة رسم موقع لبنان في الصراع الإقليمي. وقال إن إذا كان هذا الاتفاق قد أخرج إيران من المعادلة اللبنانية لمصلحة الدولة اللبنانية، فإنه بذلك يحقق المصلحة الوطنية، ويجب أن يقال ذلك بوضوح.

وأشار إلى أن إيران اعتادت، على مدى سنوات، استخدام لبنان كورقة تفاوض في صراعاتها الإقليمية والدولية، بحيث كان اللبنانيون يدفعون الثمن من أمنهم واستقرارهم ودمائهم. أما اليوم، بحسب بشارة، فقد دقت ساعة قيام الدولة اللبنانية، لتتفاوض انطلاقًا من مصالحها الوطنية، لا من مصالح الآخرين.

وختم بالتأكيد أن المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كان لبنان سينجح في إنهاء سياسة تحويله إلى ساحة نفوذ إقليمية، أم سيستمر في دفع كلفة صراعات لا تخدم مصالحه، معتبرًا أن الفرصة الحالية تمثل اختبارًا حقيقيًا لاستعادة الدولة قرارها وسيادتها بعيدًا عن أي استخدام للبنان كورقة تفاوض أو نفوذ خارجي.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top