هل يعرقل صندوق النقد الإصلاحات…أم أن المشكلة لبنانية؟

بقلم ياسمين شعبان

عاد الجدل بين لبنان وصندوق النقد الدولي إلى الواجهة مع اقتراب إقرار مشروع قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، بعدما أثار رفض الصندوق تعديلات أدخلتها الحكومة على بعض مواد المشروع تساؤلات حول حدود دوره في التشريع اللبناني. وبين من يعتبر ملاحظات الصندوق جزءاً من المشورة الفنية المرتبطة بأي برنامج إصلاحي، ومن يرى فيها تدخلاً في الصلاحيات الوطنية، تجد السلطتان التنفيذية والتشريعية نفسيهما أمام اختبار دقيق: كيف يمكن التوفيق بين متطلبات الإصلاح التي يطالب بها المجتمع الدولي، والحفاظ على خصوصية النظام القانوني والمؤسساتي اللبناني واستقلالية مؤسساته، وفي مقدمتها مصرف لبنان؟

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي محمد فحيلي، في حديثه إلى موقع ديموقراطيا نيوز، أن النقاش الدائر يحتاج إلى تصويب، مشدداً على أن صندوق النقد الدولي ليس سلطة تنفيذية ولا تشريعية في لبنان، ولا يملك صلاحية فرض القوانين أو تعديلها، بل يقتصر دوره على تقديم المشورة والخبرة الفنية للدول الأعضاء. ويشير إلى أن لبنان، بصفته عضواً في الصندوق، يلجأ إليه للحصول على مساعدات تقنية أو برامج تمويلية، فيوفد الصندوق فرقاً متخصصة تدرس الواقع المالي، وتجمع البيانات من وزارة المالية، ومصرف لبنان، والمصارف التجارية، وممثلي المودعين والقطاع الخاص، قبل إعداد مقترحات لإعادة هيكلة القطاع المالي والمصرفي واستعادة الانتظام المالي.

ويضيف فحيلي أن هذه المقترحات لا تحمل أي صفة إلزامية، بل تبقى في إطار الاستشارة الفنية، فيما يعود القرار النهائي إلى الدولة اللبنانية، التي تقرر قبولها أو تعديلها أو رفضها. فإذا اعتمدتها، تسلك المسار الدستوري الطبيعي، بدءاً من مجلس الوزراء، ثم مجلس النواب ولجانه المختصة، وصولاً إلى الهيئة العامة. لذلك، فإن التشريع يبقى مسؤولية لبنانية خالصة، ولا يمكن تحميل صندوق النقد مسؤولية القوانين التي تُقر أو تُعدّل.

ويشير إلى أن صندوق النقد الدولي قدّم للبنان استشارات منذ ما قبل الأزمة المالية، بدءاً من عام 2017، ثم في عام 2020، ولاحقاً خلال 2025 و2026، إلا أن الدولة اللبنانية لم تنفذ الإصلاحات المطلوبة بالشكل الكافي. كما أن الاتفاق على مستوى الموظفين (Staff-Level Agreement) عام 2022 وضع مجموعة من الإصلاحات التي كان يفترض إنجازها قبل أي برنامج تمويلي، غير أن التنفيذ بقي متعثراً، ما جعل لبنان يعود في كل جولة تفاوض تقريباً إلى نقطة البداية.

ويعتبر فحيلي أن الالتباس بدأ عندما راحت السلطات اللبنانية تربط مشاريع القوانين بالتشاور مع صندوق النقد، في حين أن الصندوق عاد لاحقاً ليسجل ملاحظات تقنية على عدد منها. ويستشهد بتعديلات قانون السرية المصرفية التي أُقرت بعد التشاور مع الصندوق، قبل أن يبدي الأخير ملاحظات غير مشجعة على بعض موادها، كما سجّل اعتراضات على مشروع قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي، فيما لا يزال حاكم مصرف لبنان يعترض على بعض مواده باعتبارها تنتقص من صلاحيات المصرف المركزي والهيئات الرقابية التابعة له. كذلك، لم تخلُ تعديلات قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب من ملاحظات تقنية مماثلة.

ويؤكد أن هذه الوقائع لا تعني وجود خلاف بين لبنان وصندوق النقد، لأن الأخير لا يغيّر القوانين ولا يفرضها، بل يقدّم رأياً تقنياً فقط. أما إقرار القوانين وتنفيذها فيبقى من مسؤولية السلطتين التنفيذية والتشريعية، لافتاً إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن كثيراً من الإصلاحات بقيت حبراً على ورق، سواء في ما يتعلق بالسرية المصرفية، أو التدقيق الجنائي، أو إعادة هيكلة القطاع المصرفي، أو مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

ويرى فحيلي أن المطلوب اليوم هو إقرار قوانين تعيد فعلياً الانتظام إلى القطاع المالي، سواء على مستوى المصارف التجارية أو مصرف لبنان، مشيراً إلى أن المصرف المركزي يتحمل بدوره جزءاً من المسؤولية نتيجة الثغرات الرقابية التي ظهرت خلال السنوات الماضية. ويستشهد بالدعاوى القضائية التي يقيمها مصرف لبنان بحق بعض المصارف والمصرفيين، معتبراً أن رقابة أكثر فاعلية كان يمكن أن تحدّ من كثير من التجاوزات التي شهدها القطاع. ويضيف أن دولاً مثل الإمارات والأردن تعتمد نهجاً أكثر صرامة في معاقبة المصارف التي لا تلتزم بمعايير الامتثال أو مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بينما بقي هذا المسار ضعيفاً في لبنان.

كما يلفت إلى أن لبنان يملك مؤسسات مختصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وفي مقدمتها هيئة التحقيق الخاصة، إلى جانب الأجهزة الأمنية والجهات القضائية، إلا أن ضعف التنسيق والرقابة ساهم في استمرار الثغرات، وهو ما انعكس بإدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، ثم تصنيفه من قبل الاتحاد الأوروبي ضمن الدول عالية المخاطر في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

ويشدد فحيلي على أن مسؤولية الإصلاح تقع أولاً على المؤسسات اللبنانية، من مجلس الوزراء ووزارة المالية ومصرف لبنان، إلى لجان مجلس النواب والهيئة العامة، باعتبارها الجهات المخولة إعداد القوانين وإقرارها وتنفيذها. كما يؤكد أن هذه المؤسسات تمتلك المستشارين والخبرات، ويمكنها الاستعانة بالقضاء وبمصرف لبنان عند إعداد مشاريع القوانين، ما يجعل مسؤولية صياغة الإصلاحات مسؤولية لبنانية بالكامل.

وفي المقابل، يوضح أن صندوق النقد يبني تقييماته على البيانات التي يحصل عليها من الدولة اللبنانية. فإذا كانت هذه البيانات غير دقيقة أو غير مكتملة، فمن الطبيعي أن تنعكس على طبيعة توصياته. ويشير في هذا الإطار إلى أن بعض وكالات التصنيف الائتماني امتنعت عن تقييم مؤسسات مالية لبنانية بسبب ضعف موثوقية البيانات المتوافرة، ما يفسر جانباً من التباين في تقييم الواقع المالي اللبناني.

ويخلص فحيلي إلى أن تصوير صندوق النقد الدولي على أنه يفرض “إملاءات” على لبنان ليس توصيفاً دقيقاً، لأن دوره يقتصر على تقديم المشورة الفنية باعتباره جهة متخصصة في الإدارة المالية العامة، وإعادة هيكلة القطاعات المصرفية، وإدارة الديون السيادية، وتعزيز الاستقرار النقدي. أما القرار النهائي، سواء في التشريع أو التنفيذ، فيبقى بيد الدولة اللبنانية. لذلك، فإن نجاح أي برنامج إصلاحي لا يرتبط فقط بالتفاهم مع صندوق النقد، بل بقدرة لبنان على إعداد قوانين إصلاحية قابلة للتطبيق، وتنفيذها بفعالية، واستعادة الثقة بالمؤسسات المالية، بما يجعل دور الصندوق داعماً لهذه العملية لا بديلاً عنها ولا معرقلاً لها.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top