
بقلم ياسمين شعبان
في ظل التصعيد العسكري المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران ووكلائهما في المنطقة، ولا سيما بعد الضربات الأميركية–السعودية المشتركة التي استهدفت مواقع لفصائل موالية لطهران داخل العراق، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة تقف على أعتاب مواجهة إقليمية واسعة، أم أن ما يجري لا يزال يندرج ضمن سياسة إدارة الصراع وتبادل الرسائل العسكرية. وفي هذا السياق، رأى المحلل الاستراتيجي مارسيل بالكوجي، في حديث خاص لموقع “ديموقراطيا نيوز”، أن المشهد الإقليمي لا يزال محكومًا بسياسة إدارة الصراع أكثر من حسمه، معتبرًا أن واشنطن تواصل استخدام الضغوط العسكرية والسياسية لإعادة رسم التوازنات الإقليمية من دون الذهاب، في الوقت الراهن، إلى مواجهة شاملة مع إيران.
وأوضح بالكوجي أن الولايات المتحدة لا تتجه في المرحلة الحالية إلى حسم المواجهة مع إيران، بل تعتمد سياسة تقوم على الجمع بين الضغوط العسكرية والمفاوضات المتقطعة، بهدف إعادة ترتيب المشهد الإقليمي وكسب الوقت قبل أي مواجهة أوسع قد تفرضها التطورات لاحقًا.
وأضاف أن واشنطن تمارس في الوقت نفسه ضغوطًا غير مباشرة على السعودية في ملف التطبيع مع إسرائيل، إلا أن الرياض لا تزال تتمسك بموقفها الرافض لأي مسار تطبيعي لا يترافق مع قيام دولة فلسطينية، ما يجعل هذا الملف أحد أبرز عناصر التجاذب في المرحلة الراهنة.
واعتبر أن الضربات العسكرية الأخيرة لا تشكل حتى الآن مقدمة لحرب مباشرة وشاملة، بل تأتي في إطار سياسة الضغط والاستنزاف المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران. وأشار إلى أن المفاوضات بين الطرفين لا تزال تراوح مكانها، فيما تتواصل الاستعدادات السياسية والعسكرية لاحتمال اندلاع مواجهة أوسع مستقبلًا، وإن لم يكن توقيتها قد حُسم بعد.
ولفت إلى أن الضغوط على طهران لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الداخل الإيراني، من خلال تحريك بؤر التوتر في مناطق الأهواز وبلوشستان والمناطق الكردية، بما يزيد الضغوط على النظام والحرس الثوري. لكنه شدد على أن الحديث عن تغير جذري في بنية النظام أو انفصال الحرس الثوري عنه لا يزال سابقًا لأوانه، رغم احتمال حصول تغييرات في بعض المواقع القيادية.
وفي الشأن العراقي، رأى بالكوجي أن العراق يعيش واقعًا مشابهًا للبنان، حيث تعاني الدولة في البلدين من ازدواجية القرار ونفوذ القوى المسلحة المرتبطة بإيران. واعتبر أن أي محاولة لتغيير هذه المعادلة قد تؤدي إلى اضطرابات أمنية أو مواجهات داخلية، إذا فُرضت على الحكومة العراقية خطوات لا تستطيع تنفيذها من دون الاصطدام بهذه الفصائل المسلحة.
أما على مستوى الرد الإيراني، فأكد أن طهران لا تمتلك في المرحلة الراهنة خيارات واسعة، وقد تلجأ إلى ردود محدودة أو غير مباشرة تحفظ من خلالها موقعها ومعادلة الردع، من دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة. وأضاف أن الانفجارات والحوادث التي شهدتها بعض المواقع الإيرانية لا تعني بالضرورة أن إيران قررت رفع مستوى التصعيد، بل إنها لا تزال تتحرك ضمن سقف محسوب.
ولبنانيًا، اعتبر بالكوجي أن البلاد لا تبدو متجهة إلى حرب شاملة في المدى القريب، لكنها دخلت مرحلة جديدة من النزاع الطويل وقواعد الاشتباك المتحركة. فلا حزب الله مستعد للتخلي عن سلاحه، ولا إسرائيل مستعدة لإغلاق هذا الملف أو العودة إلى المعادلات السابقة، ما يعني أن ما يجري لا يشكل حلًا نهائيًا، بل محطة جديدة ضمن مسار طويل من الضغوط والاختبارات الميدانية والسياسية.
وأشار إلى أن حزب الله، رغم تراجع قدراته مقارنة بالسنوات الماضية، لا يزال قادرًا على تعطيل المسار الداخلي اللبناني إذا جاءت القرارات الإيرانية في هذا الاتجاه. وأضاف أن الحزب، وإن كان تنظيمًا لبنانيًا، فإن قراره الاستراتيجي يبقى مرتبطًا بطهران، ما يجعل مستقبله مرتبطًا بمسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.
كما رأى أن الحزب لا يبدي أي استعداد للتخلي طوعًا عن سلاحه، فيما لا تزال الإجراءات التي تنفذها الدولة اللبنانية والجيش محدودة، ولا تشمل حتى الآن المناطق الأساسية التي يحتفظ فيها الحزب بثقله العسكري، الأمر الذي يجعل الحديث عن استعادة الدولة لقرارها الأمني والعسكري الكامل سابقًا لأوانه.
وختم بالكوجي بالتأكيد أن لبنان يقف أمام مرحلة ترقب ومواجهة بطيئة، تتحدد سرعتها واتجاهاتها وفق مسار المفاوضات الأميركية–الإيرانية. فإذا نجحت هذه المفاوضات في إنتاج تسوية إقليمية، فقد يكون ملف حزب الله جزءًا منها، أما إذا انهارت، فإن المنطقة قد تتجه إلى جولة تصعيد جديدة يُرجح أن ينخرط فيها الحزب بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وبالتالي، فإن المرحلة الحالية لا تمثل نهاية الصراع، بل محطة مؤقتة ضمن نزاع إقليمي طويل لا تزال مآلاته مفتوحة.
