
بقلم ياسمين شعبان
بعد ست سنوات على انفجار مرفأ بيروت، لا يزال الضحايا وعائلاتهم الغائب الأكبر عن مسار القضية، ليس فقط على مستوى كشف الحقيقة، بل أيضًا في ما يتعلق بالتعويضات وجبر الضرر والدعم النفسي والاجتماعي الذي يفترض أن تؤمنه الدولة.وفي حديث خاص لموقع “ديموقراطيا نيوز”، رأى رئيس المركز اللبناني لحقوق الإنسان وديع الأسمر أن الدولة اللبنانية أخفقت في أداء واجباتها قبل الانفجار وبعده، معتبرًا أن الإهمال الذي سبق الكارثة أدى إلى وقوعها، فيما غابت الدولة لاحقًا عن مواكبة الضحايا، تاركةً العبء الأكبر للجمعيات والمنظمات التي تكفلت بإعادة الإعمار وتقديم الدعم الإنساني والنفسي.ورغم انتهاء التحقيقات وإحالة الملف إلى المرجع القضائي المختص، لا يزال القرار الظني غائبًا حتى اليوم، ما يجعل العدالة، برأيه، تفقد معناها. ويؤكد أن “العدالة المتأخرة ليست عدالة”، معتبرًا أن استمرار التأخير يعني أن كثيرًا من أهالي الضحايا قد لا يشهدون يوم معرفة الحقيقة، فيما تتراجع فرص محاسبة المسؤولين مع مرور الوقت.ويلفت إلى أن معاناة الضحايا لا تقتصر على انتظار الحقيقة، بل تشمل أيضًا التعويضات، إذ لا يزال عدد من المتضررين يواجهون إشكالات مع شركات التأمين التي قد تربط دفع التعويضات بتحديد السبب القانوني للانفجار، سواء كان ناجمًا عن إهمال، أو عمل جرمي، أو اعتداء خارجي، في ظل غياب حكم قضائي نهائي يحسم هذه المسألة.كما ينتقد أداء المؤسسات الرسمية خلال الأيام التي تلت الانفجار، معتبرًا أن الدولة لم تكتفِ بالتقصير في حماية المواطنين، بل تعاملت مع المحتجين بطريقة زادت من شعور الضحايا بالظلم، في وقت كان المطلوب احتضانهم وتقديم الدعم لهم.وفي السياق نفسه، يحذر الأسمر من تزامن النقاشات الجارية حول قانون العفو العام مع استمرار تعطيل ملف انفجار المرفأ، متسائلًا عما إذا كانت مثل هذه القوانين قد تفتح الباب مستقبلًا أمام إفلات مسؤولين محتملين من العقاب، بما يكرس ثقافة الإفلات من المحاسبة ويبعث برسالة سلبية إلى اللبنانيين.ويعتبر أن جريمة بهذا الحجم تتجاوز الإطار المحلي وتمس حقوق الإنسان، ما يستوجب، عند تعذر تحقيق العدالة داخليًا، فتح الباب أمام اللجوء إلى القضاء الدولي، منتقدًا رفض الدولة اللبنانية الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية أو قبول اختصاصها في هذه القضية.وفي ما يتعلق بحقوق الضحايا، يدعو الأسمر إلى تشجيع المتضررين على إقامة دعاوى فردية ضد الدولة أو ضد المسؤولين المحتملين، كما يرى أن الضحايا الذين يحملون جنسيات أجنبية قد يتمكنون من اللجوء إلى القضاء في دول أخرى، رغم أن غياب تحديد رسمي لسبب الانفجار لا يزال يشكل عقبة أمام هذه المسارات.ويشدد أيضًا على ضرورة إطلاق برامج دعم نفسي حقيقية بإشراف الدولة، معتبرًا أن هذا الجانب لا يقل أهمية عن المسار القضائي، في ظل الآثار النفسية العميقة التي خلفتها الكارثة لدى آلاف المتضررين.وعلى المستوى القضائي، يدعو إلى إصلاحات تضمن عدم تعطيل التحقيقات مستقبلًا، من خلال وضع مهل قانونية واضحة للبت بطلبات مخاصمة القضاة أو تنحيتهم، بما يمنع استخدام هذه الإجراءات لتعليق الملفات لسنوات.ويختم الأسمر بالتأكيد أن التأخير المستمر أفقد جزءًا كبيرًا من اللبنانيين ثقتهم بإمكان الوصول إلى حقيقة تحظى بإجماع وطني، بعدما تحولت القضية، بحسب رأيه، إلى مادة للتجاذب السياسي. ويحذر من أن أي حكم سيصدر بعد سنوات طويلة قد يُستقبل بوصفه موقفًا سياسيًا أكثر منه قرارًا قضائيًا، الأمر الذي يهدد بإضعاف ثقة المواطنين بالقضاء وبالعدالة نفسها.
