بن غفير يريد حسمها في بيروت.. هل تكون تلة علي الطاهر شرارة الحرب؟

بقلم شادي هيلانة

هناك لحظات في السياسة اللبنانية يصبح فيها الصوت الصادر من خارج الحدود أهم من البيانات التي تصدر داخلها، لأن العبارة الواحدة قد تحمل في طياتها اتجاهاً سياسياً كاملاً، وهذا تحديداً ينطبق على كلام وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، حين أعلن أنه يأمل جداً أن تكون إسرائيل مقبلة على تصعيد مع لبنان، داعياً إلى وقف لعبة القط والفأر والذهاب نحو ضرب حزب الله في بيروت، وهي عبارة يصعب فصلها عن المشهد الميداني الذي شهدته الساعات الأخيرة، خصوصاً مع العمليات الإسرائيلية في الجنوب، واغتيال أفراد من عائلة واحدة، وصولاً إلى تلة علي الطاهر التي تبدو اليوم إحدى أكثر النقاط حساسية في المواجهة المفتوحة على احتمالات عدة.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي بشارة شربل عبر موقع “ديمقراطيا نيوز” إن احتمال عودة الحرب لا يزال قائماً، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب وعودة سياسة اغتيال كوادر حزب الله، بعد فترة من التراجع فرضتها الضغوط الأميركية، وصولاً إلى الضربة التي استهدفت تلة علي الطاهر، في وقت تواصل إسرائيل ضغطها باتجاه نزع سلاح حزب الله قبل الوصول إلى أي تفاهم سياسي واضح مع الدولة اللبنانية، وتحتل قضية الأنفاق موقعاً أساسياً في هذا المسار، سواء تلك الواقعة ضمن المنطقة التي تسميها إسرائيل “المنطقة الصفراء” أو الموجودة خارجها ويرى شربل أن تفجير هذه المنشآت يأتي ضمن مسار عسكري وسياسي أوسع يرتبط مباشرة بملف السلاح وآلية التعامل معه، وسط مؤشرات ترفع مستوى القلق من انتقال الجنوب إلى مرحلة أكثر خطورة

في المقابل، اكتسب كلام رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف دلالة خاصة، بعد إعلانه التواصل مع المقاتلين في الصفوف الأمامية، وهي إشارة يرى شربل أنها تضع تلة علي الطاهر أمام مشهد مختلف، حيث يصبح الموقع جزءاً من خط تماس إيراني إسرائيلي يتجاوز الجغرافيا الجنوبية وحدها، ويمنح التطورات الميدانية بعداً إقليمياً يصعب تجاهله، خصوصاً حين يأتي التصعيد العسكري بالتزامن مع رسائل سياسية متلاحقة من واشنطن وتل أبيب وطهران.

وفي بيروت، جاءت الرسالة الأميركية أكثر إحراجاً للسلطات اللبنانية، وفق معلومات شربل، إذ إن كلام الخارجية الأميركية حول مسؤوليات الدولة اللبنانية في ملف نزع سلاح حزب الله فاجأ الرؤساء الثلاثة، وخصوصاً مع استمرار العمليات الإسرائيلية بعد اتفاق الإطار، وهي نقطة يرى شربل أنها تكشف عن هامش واسع منحته واشنطن لإسرائيل في المرحلة الراهنة، بعدما كانت قد وضعت قيوداً على حركتها العسكرية عقب الاتفاق.

هنا تحديداً تظهر العقدة اللبنانية، فالدولة تتحرك بين مطلب الانسحاب الإسرائيلي قبل معالجة ملف السلاح، وبين ضغط أميركي وإسرائيلي يدفع باتجاه حسم قضية السلاح أولاً، وبين الموقف الميداني الذي يفرض نفسه في الجنوب، وتقول القراءة التي يقدمها شربل إن صيغة اتفاق الإطار كانت تسمح نظرياً بترتيب متوازن يبدأ بالانسحاب الإسرائيلي ثم الانتقال إلى ملف السلاح، غير أن ميزان القوى الحالي يجعل تنفيذ هذه المعادلة أكثر تعقيداً، ويدفع الرؤساء الثلاثة أمام استحقاق سياسي لا يمكن اختزاله في بيانات الإدانة.

فالرد على سقوط المدنيين، ومن بينهم ضحايا في دير الزهراني وأنصار، يحتاج إلى مستوى آخر من الحركة السياسية، والسؤال الذي يفرض نفسه بعد كل غارة وكل اغتيال ليس فقط كيف ستدين بيروت العملية، وإنما أي خطوة تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذها لوقف الانزلاق نحو مواجهة جديدة، وكيف يمكن للرؤساء الثلاثة إدارة هذا المسار في وقت تتداخل فيه الضغوط الإسرائيلية والأميركية مع الحسابات الإيرانية، ويصبح الجنوب ساحة اختبار لحدود الدور اللبناني في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

وفي هذا المشهد، تبدو تلة علي الطاهر أكثر من موقع عسكري، فهي نقطة تلتقي عندها رسائل متعددة، إسرائيل تريد فرض معادلة جديدة في الجنوب، إيران ترسل إشارات عبر قاليباف، واشنطن تدفع باتجاه مسؤولية لبنانية أوضح في ملف السلاح، وبيروت تجد نفسها أمام خيارات ضيقة، وكون كل طرف يقرأ التطورات من زاوية مختلفة، فإن الخطر الحقيقي يكمن في انتقال الرسائل من مستوى الضغط السياسي إلى مستوى القرار العسكري، عندها لن يعود السؤال متعلقاً بعملية جديدة في الجنوب، وإنما بمدى اقتراب لبنان من لحظة يصعب معها منع الحرب من العودة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top