العمرة برّاً في مرمى المنع… السلامة ذريعة أم ضرورة؟

خاص- ديموقراطيا نيوز

أثار قرار هيئة رعاية شؤون الحج والعمرة منع رحلات العمرة برّاً وحصر سفر الحجاج والمعتمرين بالنقل الجوي موجة من الاعتراضات، خصوصاً أن السفر البري بات خياراً أساسياً لشريحة من اللبنانيين الذين لا تسمح لهم إمكاناتهم بتحمّل كلفة السفر جواً.

القرار الصادر عن رئيس الهيئة القاضي محمد مكاوي استند إلى قرارات سابقة، بينها قرار لرئيس مجلس الوزراء يعود إلى عام 2012 بحصر سفر المعتمرين جواً، وجاء تحت عنوان الحفاظ على سلامة الحجاج والمعتمرين، ولا سيما بعد الحوادث التي تعرضت لها بعض الرحلات البرية أخيراً.

إلا أن القرار فتح سريعاً باب الاعتراض، وطرح سؤالاً أساسياً: هل تكون حماية المعتمرين بمنع السفر البرّي بالكامل، أم بتنظيمه وتشديد الرقابة على الشركات والحافلات والسائقين، وتحديد المسؤوليات عند وقوع أي مخالفة أو حادث؟

النائب إيهاب مطر أوضح أن قرار مكاوي يستند إلى قرار سابق وليس إلى قرار حكومي جديد، مطالباً رئيس الحكومة بمعالجة الملف والسماح بالعمرة برّاً ضمن معايير وضوابط صارمة تؤمّن سلامة المعتمرين، خصوصاً أن هذا الخيار بات ضرورياً لشريحة واسعة غير قادرة على تحمّل كلفة السفر جواً.

بدوره، تحرك النائب عماد الحوت بعد اعتراض عدد من المواطنين والحملات، وتواصل مع مكاوي، مشيراً إلى وجود قرار سابق بمنع السفر براً وضوابط تتعلق بالدخول البري إلى المملكة، فيما تعتمد بعض الحملات اللبنانية التنسيق مع حملات أردنية لاستكمال الرحلات.

وانضم النائب أحمد الخير إلى الاعتراضات، داعياً إلى إعادة النظر بمنع النقل البري وحصر السفر جواً، ومشدداً على أن سلامة الحجاج والمعتمرين لا تُصان بإلغاء خيارات الناس أو فرض خيار واحد عليهم، بل عبر إبقاء السفر البري متاحاً مع التشدد في شروط السلامة والتنظيم.

ومع اتساع دائرة الاعتراض، برز اتجاه إلى تمديد الإذن بالرحلات حتى منتصف أيلول، حفاظاً على حقوق المعتمرين والحملات التي سبق أن أجرت حجوزاتها، على أن تتم متابعة الملف للوصول إلى صيغة أكثر تنظيماً وأماناً للرحلات البرية.

لكن المسألة لا ترتبط بكلفة السفر وحدها. فرحلات الحج والعمرة البرية تخلق حركة اقتصادية يستفيد منها قطاع النقل والشركات ومكاتب تنظيم الرحلات والخدمات المرتبطة بها، وبالتالي فإن تطوير هذا النشاط وتنظيمه يمكن أن يحقق قيمة اقتصادية بدلاً من خسارته نتيجة المنع.

كما تعبر هذه الرحلات دولاً عربية في طريقها إلى المملكة العربية السعودية، ما يفرض تنسيقاً مستمراً مع دول العبور، ويمكن أن يشكل مساحة لتعزيز التعاون وحركة النقل والعلاقات بين لبنان ومحيطه العربي. وهنا يبرز السؤال: لماذا لا يتم تطوير هذا المسار واستثماره إيجابياً ضمن ضوابط واتفاقات واضحة بدلاً من قطعه؟

أما من زاوية السلامة، ففي بلد يعاني أصلاً من مشكلات مزمنة في السلامة المرورية وضعف الرقابة على المركبات والنقل العام وحال الطرقات، يصبح مشروعاً التساؤل عن سبب اعتماد المنع عندما يتعلق الأمر بالمعتمرين، بدلاً من معالجة أصل المشكلة وفرض معايير سلامة فعلية.

فإذا كانت حافلة غير مطابقة للمواصفات، يفترض منعها من العمل، وإذا قصّرت شركة يفترض محاسبتها. أما إذا كان الخطر مرتبطاً بالسائقين أو بساعات القيادة، فيمكن فرض سائقين بدلاء واستراحات إلزامية وفحوص دورية وتأمين شامل وشروط تقنية دقيقة للحافلات.

وبالتالي، فإن الحوادث المؤلمة لا تجعل من السفر البري بحد ذاته المشكلة، بقدر ما تعيد طرح مسؤولية الدولة في الرقابة والتنظيم والمحاسبة. فالبديل عن الفوضى ليس المنع بالضرورة، بل وضع منظومة تمنع تكرار الحوادث وتحافظ في الوقت نفسه على حق المواطن في اختيار وسيلة السفر التي تناسب قدرته.

ولا تتوافر حتى الآن معطيات مثبتة تسمح بالجزم بوجود أهداف أخرى خلف القرار، لكن اختيار المنع قبل استنفاد إمكانات التنظيم يترك باب التساؤلات مفتوحاً حول جدواه وخلفياته، ولا سيما في ظل تداعياته الاقتصادية والاجتماعية.

وبين حماية المعتمرين والحفاظ على حقهم في اختيار وسيلة سفر أقل كلفة، تبدو المعادلة واضحة: تنظيم العمرة برّاً لا إلغاؤها، وتشديد الرقابة والمحاسبة بدلاً من التضييق على المعتمرين تحت عنوان السلامة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top