شقير ل”ديمقراطيا نيوز”: وفد إماراتي اقتصادي في لبنان أواخر آب… زمن المساعدات انتهى ومرحلة الاستثمار بدأت

بقلم ياسمين شعبان

تستند العلاقات اللبنانية–الإماراتية إلى تاريخ طويل من الروابط السياسية والاقتصادية والاستثمارية، جعل من دولة الإمارات واحدة من أبرز الوجهات الخليجية للبنانيين وشريكاً أساسياً للقطاع الخاص اللبناني. ورغم مراحل الفتور التي مرت بها العلاقة خلال السنوات الماضية بفعل الأزمات الداخلية والتوترات الإقليمية، بقيت المصالح المشتركة والروابط الاقتصادية تشكل قاعدة يمكن البناء عليها لإعادة إطلاق التعاون بين البلدين.

واليوم، تعود هذه العلاقات إلى الواجهة من بوابة الاقتصاد، في توقيت يحاول فيه لبنان استعادة الثقة العربية والخليجية وتحويل الانفتاح السياسي عليه إلى حركة استثمارية فعلية. ومن هنا، تحمل زيارة الوفد الاقتصادي الإماراتي المرتقبة إلى بيروت يومي 26 و27 آب أهمية خاصة، لما قد تفتحه من مسارات جديدة أمام عودة رأس المال الإماراتي إلى السوق اللبنانية، وإطلاق مشاريع تقوم على الشراكة والمصلحة المتبادلة.

ولا تقتصر أهمية الزيارة على العلاقات الثنائية فحسب، بل تأتي في مرحلة تشهد فيها المنطقة تحولات اقتصادية واسعة وسباقاً على الاستثمارات ومشاريع إعادة الإعمار، ولا سيما في سوريا. وهو ما يضع لبنان أمام تحدٍ أساسي: هل يستطيع تقديم نفسه مجدداً كسوق جاذبة لرأس المال الخليجي، وتحويل علاقاته التاريخية مع الإمارات ودول الخليج إلى فرص ومشاريع قابلة للتنفيذ؟

في حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، يرى رئيس الهيئات الاقتصادية والوزير السابق محمد شقير أن وصول الوفد الإماراتي يشكل “دعماً كبيراً للبنان ولمستقبله”، لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة تغيير المقاربة اللبنانية للعلاقة الاقتصادية مع الدول الخليجية، والانتقال من انتظار المساعدات إلى تقديم الفرص الاستثمارية.

ويعتبر شقير أن مرحلة التوجه إلى الدول الخليجية بمنطق “تعوا دعمونا أو عطونا” يجب أن تصبح من الماضي، مؤكداً أن لبنان مطالب اليوم بعرض مشاريع تحقق مصلحة متبادلة. ويقول إن المطلوب لم يعد طلب الدعم، بل تقديم فرص حقيقية يستطيع المستثمر الإماراتي الدخول فيها وتحقيق عائد، بالتوازي مع استفادة الاقتصاد اللبناني منها.

وبحسب شقير، فإن هذه المقاربة هي نفسها التي تحكم حركة رؤوس الأموال في سوريا وغيرها من الأسواق، ولذلك على لبنان أن يكون جاهزاً للمنافسة. فالمستثمر، كما يقول، لا يضع أمواله انطلاقاً من الاعتبارات العاطفية، بل يبحث عن السوق التي توفر له الجدوى والعائد، مختصراً المعادلة بالقول إن “الاستثمار ليس جمعية خيرية”.

وعن الترابط بين الفرص المتاحة في لبنان وتلك الموجودة في سوريا، يشير شقير إلى أن عدداً كبيراً من رجال الأعمال اللبنانيين موجودون بالفعل في السوق السورية ويستثمرون فيها، معتبراً أن سوريا تسير على مسار يفتح أمامها مستقبلاً اقتصادياً وفرصاً كبيرة. لكنه يؤكد أن المستثمر سيبقى يبحث عن مصلحته أينما وجدها، سواء في لبنان أو سوريا أو أي سوق أخرى.

أما على صعيد القطاعات اللبنانية القادرة على جذب الاستثمارات الإماراتية، فيضع شقير الاتصالات والمواصلات ضمن المجالات الأساسية، إلى جانب قطاعات أخرى تحتاج إلى تطوير وتمويل، معتبراً أن لبنان لديه حاجات واسعة يمكن تحويلها إلى فرص استثمارية إذا أُعدّت المشاريع بطريقة صحيحة.

وفي المقابل، يشدد شقير على أن جذب رأس المال لا يقتصر على عرض المشاريع، بل يحتاج أيضاً إلى دراسات دقيقة للجدوى والسوق والمواقع. وفي معرض تعليقه على بعض التجارب الاستثمارية التي تعثرت في لبنان، يرى أن الظروف السياسية والأمنية وتراجع السياحة لعبت دوراً، لكن بعض المشكلات بدأت أساساً من أخطاء في اختيار المواقع أو التخطيط للمشاريع.

ومن هنا، يعتبر أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة أكثر احترافية في إعداد المشاريع، تقوم على دراسة الموقع وطبيعة الاستثمار والقطاع المستهدف ومستقبل السوق، خصوصاً مع الرهان على ما يمكن أن يكون عليه لبنان بعد انتهاء الحرب واستعادة الاستقرار.

وعلى المستوى السياسي، يربط شقير عودة الاهتمام الخليجي بالتغير الذي طرأ على صورة الدولة اللبنانية، مشيراً إلى أن وجود رئيس للجمهورية وحكومة وعودة المؤسسات إلى ممارسة دورها عوامل أعادت جزءاً من الثقة بلبنان لدى الدول الخليجية والعربية والمجتمع الدولي.

ويشدد في هذا السياق على أهمية أن تكون الدولة هي التي تتحدث باسم لبنان، لا حزباً أو فئة منفردة، معتبراً أن عودة القرار والخطاب الرسمي إلى مؤسسات الدولة تشكل عنصراً أساسياً في نظرة الخارج إلى لبنان وفي إعادة بناء الثقة به.

أما احتمال أن تشكل الخطوة الإماراتية مدخلاً لانفتاح خليجي أوسع، ولا سيما من السعودية والكويت وقطر، فيربطه شقير بقدرة لبنان على استثمار اللحظة الحالية وتقديم فرص جدية. فالعلاقات السياسية الإيجابية، وفق مقاربته، تفتح الأبواب، لكن القرار الاستثماري يبقى مرتبطاً بالجدوى والاستقرار والقدرة على تحقيق عائد.

وبالتوازي مع حركة الاستثمارات وإعادة الإعمار المرتقبة في سوريا والمنطقة، يرى شقير أن لبنان قادر على أن يكون جزءاً من هذه الدينامية، شرط أن يدخل المنافسة بمشاريع واضحة ومدروسة. فالقطاع الخاص الإماراتي الذي يتجه إلى لبنان سيبحث، كغيره من المستثمرين، عن الفرصة الأفضل أينما كانت.

وبين عمق العلاقات اللبنانية–الإماراتية والزيارة المرتقبة للوفد الاقتصادي، تبدو الفرصة متاحة أمام بيروت لإعادة فتح نافذة استثمارية خليجية فقدتها خلال سنوات الأزمة. لكن رسالة شقير تبقى واضحة: زمن انتظار الأموال والمساعدات انتهى، والمرحلة المقبلة هي مرحلة عرض الفرص وجذب المستثمرين على أساس المصلحة المتبادلة، في وقت يبدي فيه تفاؤلاً بأن لبنان بدأ يسير على الطريق الصحيح.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top