من السيرة النبوية إلى الواقع اللبناني…دروس في زمن الأزمات

بقلم راما الجراح

في ذكرى المولد النبوي الشريف، تُستعاد سيرة النبي محمد ﷺ في لحظة لبنانية تبدو فيها الحاجة إلى بعض دروسها أكثر إلحاحاً. فبين الحروب التي تركت آثارها على الناس والقرى، والانقسامات السياسية والطائفية، والأزمة الاقتصادية التي أثقلت حياة اللبنانيين ودَفعت كثيرين إلى الهجرة، تبرز السيرة النبوية بما تحمله من مواقف في إدارة الأزمات والخلافات، كمرجعية أخلاقية وإنسانية تطرح أسئلة تتجاوز المناسبة الدينية إلى كيفية إدارة المجتمعات في أكثر مراحلها تعقيداً.

ومن أبرز المواقف التي تكشف عن حكمة النبي ﷺ صلح الحديبية. فقد قبل بشروط بدت في حينها صعبة على بعض أصحابه، واختار وقف المواجهة وفتح باب الاتفاق بدل الاستمرار في الصراع، في قرار أثبتت تطورات الأحداث لاحقاً أنه لم يكن تراجعاً عن المبدأ، بل قراءة حكيمة لموازين المرحلة ومصلحة الجماعة.

وفي لبنان، حيث عرفت البلاد ولا تزال جولات من المواجهات العسكرية والتوترات الأمنية، تبدو قيمة التهدئة مسألة تتجاوز الحسابات السياسية. فالتسوية ليست بالضرورة ضعفاً، كما أن استمرار المواجهة لا يعني دائماً تحقيق مكاسب حقيقية. وفي بلد يدفع فيه المدنيون والاقتصاد والبنية الاجتماعية ثمن كل جولة من التصعيد، تصبح حماية الناس وفتح الطريق أمام الحلول مسؤولية لا تقل أهمية عن أي مكسب سياسي أو ميداني.

وفي فتح مكة، يظهر موقف آخر لا يقل دلالة. فعندما دخل النبي ﷺ مكة بعد سنوات من الصراع، لم يحوّل لحظة الانتصار إلى انتقام جماعي من خصوم الأمس، بل اختار العفو وفتح صفحة جديدة. ولا يعني استحضار هذا الموقف إسقاط أحداث السيرة حرفياً على الواقع السياسي المعاصر، لكنه يذكّر بحقيقة أساسية، أن انتهاء المواجهة لا يعني بالضرورة انتهاء الصراع، ما لم تُغلق أيضاً أبواب الثأر والرغبة في الانتقام.

وهنا تلامس السيرة واقع لبنان مباشرة. فالحروب التي مرّت بها البلاد لم تنتهِ آثارها بمجرد توقف المعارك، ولا تزال الذاكرة السياسية والطائفية حاضرة في الخطاب العام. وفي كثير من الأحيان، تتحول وقائع الماضي إلى أدوات لإعادة إنتاج الانقسام في الحاضر، فيما يبقى تجاوز منطق الثأر السياسي والطائفي شرطاً أساسياً لأي مصالحة وطنية حقيقية.

وفي تعامله ﷺ مع من اختلفوا معه في الدين والموقف، تقدم السيرة نموذجاً آخر في إدارة التعدد. فقد أقام النبي ﷺ علاقات واتفاقات مع جماعات مختلفة دينياً واجتماعياً، ونظّم العلاقة داخل المدينة على أساس الحقوق والواجبات والمسؤولية المشتركة. وهي تجربة تحمل دلالة خاصة في لبنان، حيث يشكل التنوع الطائفي والمذهبي والسياسي إحدى أبرز سمات المجتمع، لكن هذا التنوع يفقد معناه حين يتحول إلى ذريعة للتخوين أو الإقصاء أو التعامل مع الآخر باعتباره خصماً دائماً.

حتى في سياق الحرب، لم تكن المواجهة في السيرة النبوية مساحة مفتوحة بلا ضوابط، بل ارتبطت بمبادئ تحمي من لا يشاركون في القتال، وتحفظ حقوق المدنيين، وتمنع تحويل الصراع إلى فوضى تستباح فيها الأرواح والممتلكات. وهذه مسألة تكتسب أهمية خاصة في بلد عاش حروباً متعاقبة، ولا يزال المدنيون فيه يدفعون في كثير من الأحيان الثمن الأكبر للمواجهات، بعيداً عن القرارات التي تُتخذ باسمهم.

ولا تنفصل هذه المبادئ عن الواقع المعيشي. فالعدل في السيرة لم يكن مفهوماً نظرياً منفصلاً عن حياة الناس، بل ارتبط بحفظ الحقوق ورفع الظلم ومراعاة الضعفاء. وفي لبنان، حيث أصبحت الأزمات الاقتصادية والمعيشية جزءاً من يوميات المواطنين، من ارتفاع كلفة الحياة إلى تراجع القدرة الشرائية والهجرة بحثاً عن فرص أفضل، تصبح حماية الفئات الأضعف مسؤولية اجتماعية وسياسية، لا مجرد شعار أخلاقي.

من هنا، فإن استعادة سيرة النبي ﷺ في ذكرى مولده لا تحتاج إلى أن تبقى في إطار الخطاب الاحتفالي. الأهم هو العودة إلى المواقف نفسها، كيف أدار الخلاف؟ متى اختار المواجهة، ومتى اختار التهدئة؟ كيف تعامل مع الخصم بعد انتهاء الصراع؟ وكيف حافظ على حقوق من اختلف معهم؟

وفي لبنان، حيث لا تزال قضايا الحرب والسلم، والدولة، والطائفية، والمصالحة، والعدالة، وحقوق الناس في صلب النقاش العام، تبدو هذه الأسئلة أكثر حضوراً من أي وقت مضى. فالسيرة النبوية، حين تُقرأ من زاوية المواقف لا الشعارات، لا تقدم إجابات جاهزة للواقع اللبناني، لكنها تضع أمامه مبادئ واضحة في إدارة الاختلاف، وضبط القوة، وحماية الإنسان، وتحويل لحظة انتهاء الصراع إلى فرصة لبناء الاستقرار.

ولعل هذا هو المعنى الأبعد لذكرى المولد النبوي اليوم، أن تُستعاد السيرة لا بوصفها ذكرى تاريخية فحسب، بل بوصفها تجربة إنسانية وسياسية واجتماعية غنية، يمكن أن تفتح أمام اللبنانيين باباً للتفكير في كيفية الخروج من دوائر الانقسام والأزمات، وبناء دولة ومجتمع لا يكون فيه الاختلاف سبباً دائماً للصراع.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top