
بقلم ياسمين شعبان
شهدت أسعار الذهب خلال الفترة الأخيرة تحركات لافتة خالفت في بعض مراحلها القواعد التقليدية للأسواق، إذ تراجع المعدن الأصفر رغم استمرار التوترات الجيوسياسية والحروب في أكثر من منطقة حول العالم، قبل أن يعود إلى الارتفاع مجدداً مدفوعاً بجملة عوامل نقدية ومالية تتجاوز مفهوم “الملاذ الآمن” وحده.
وفي حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، أوضح الخبير الاقتصادي خالد أبو شقرا أن حركة الذهب خلال المرحلة الماضية أظهرت أن القواعد الاقتصادية لا تُطبَّق دائماً بصورة حرفية، وخصوصاً في أسواق المال التي تتأثر بالتوقعات المستقبلية وسلوك المستثمرين والمصارف المركزية، إلى جانب التطورات السياسية والأمنية.
وأشار أبو شقرا إلى أن العامل الأول والأبرز خلف ارتفاع أسعار الذهب حالياً يرتبط بتوقعات الأسواق حيال السياسة النقدية الأميركية، ولا سيما تراجع احتمالات لجوء الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى رفع أسعار الفائدة خلال ما تبقى من العام.
وأوضح أن أسعار الفائدة والذهب تتحركان عادة بعلاقة عكسية، إذ إن ارتفاع الفائدة يدفع المستثمرين إلى تفضيل الودائع المصرفية أو سندات الخزانة التي تؤمّن عائداً، في حين أن الذهب لا يولّد عائداً دورياً. وبالتالي، فإن تراجع توقعات رفع الفائدة يعيد جزءاً من السيولة والاستثمارات باتجاه المعدن الأصفر.
أما العامل الثاني، بحسب أبو شقرا، فهو استمرار المصارف المركزية حول العالم في شراء الذهب وزيادة احتياطاتها منه، ولا سيما عدد من البنوك المركزية الكبرى، وهو ما يخلق طلباً إضافياً ومستداماً على المعدن الأصفر ويعزز أسعاره في الأسواق العالمية.
ولفت إلى أن هذا الاتجاه يعكس أيضاً رغبة متزايدة لدى بعض الدول في تنويع احتياطاتها وعدم الاعتماد بصورة كاملة على الدولار الأميركي، في ظل التحولات التي تشهدها المنظومة المالية العالمية.
أما العامل الثالث، فيرتبط بالمخاوف من تراجع قيمة الدولار الأميركي مستقبلاً، ولا سيما في ظل تضخم الدين العام الأميركي. ويرى أبو شقرا أن هذه المخاوف تدفع مستثمرين ودولاً إلى البحث عن أصول بديلة لحفظ القيمة، وفي مقدمتها الذهب.
وفي ما يتعلق بالسؤال الذي يطرحه المواطنون اليوم حول البيع أو الشراء عند المستويات المرتفعة، شدد أبو شقرا على أن الذهب يجب التعامل معه أساساً كاستثمار متوسط أو طويل الأجل، وليس كأداة للمضاربة اليومية أو للشراء والبيع السريع. وقال إن المسار التاريخي العام للذهب يبقى تصاعدياً على المدى الطويل، رغم مروره بفترات من التراجع والتذبذب، بسبب دوره كأصل دفاعي وملاذ في أوقات الأزمات، إضافة إلى استخداماته الاستثمارية والصناعية.
ومن هذا المنطلق، اعتبر أن من يمتلك الذهب ولا يحتاج إلى السيولة بشكل ملح ليس مضطراً إلى بيعه لمجرد أن السعر ارتفع، لأن السعر قد يسجل مستويات أعلى مستقبلاً، فيما تختلف المسألة بالنسبة إلى من يحتاج إلى المال ويضطر إلى تسييل جزء من مدخراته أو أصوله لتغطية نفقاته.
أما بالنسبة إلى الراغبين في الشراء، فأوضح أبو شقرا أن ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة الامتناع عن الاستثمار في الذهب، خصوصاً عندما يتم الشراء بصورة تدريجية وعلى دفعات، وليس من خلال ضخ مبلغ كبير دفعة واحدة عند مستوى سعري مرتفع. وأشار في هذا السياق إلى استراتيجية “متوسط التكلفة”، التي تقوم على تخصيص مبلغ ثابت بصورة دورية لشراء الذهب، بحيث يشتري المستثمر كمية أقل عندما يكون السعر مرتفعاً وكمية أكبر عندما ينخفض، ما يخفف من مخاطر الدخول إلى السوق عند قمة سعرية واحدة.
وعن الحديث عن لجوء لبنانيين، ولا سيما من يواجهون ضغوطاً معيشية، إلى بيع مقتنياتهم الذهبية، رأى أبو شقرا أن هذه الحالات موجودة بطبيعة الحال، لكنها قد تختلف بين منطقة وأخرى وبين شريحة اجتماعية وأخرى. إلا أنه اعتبر أن حجم الذين يشترون الذهب في لبنان قد يكون أكبر بكثير من حجم الذين يبيعونه، خصوصاً في ظل وجود كتلة كبيرة من الأموال النقدية بالدولار خارج القطاع المصرفي، وبعد فقدان الثقة بالمصارف خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن قسماً من اللبنانيين بات ينظر إلى الذهب باعتباره وسيلة بسيطة لحفظ قيمة المدخرات في مواجهة التضخم وتراجع القوة الشرائية للعملات، إضافة إلى كونه أكثر سهولة بالنسبة إلى أشخاص لا يمتلكون خبرة في الاستثمار بالأسهم أو السندات والأسواق المالية.
وبالتالي، يرى أبو شقرا أن الذهب لا يزال بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين وسيلة دفاعية لحماية المدخرات، وليس مجرد سلعة للمضاربة، مؤكداً أن قرار البيع أو الشراء يجب أن يرتبط أولاً بحاجة الشخص إلى السيولة وأفقه الاستثماري، لا فقط بالسعر الذي سجله الذهب في لحظة معينة.
