
بقلم راما الجراح
يشكّل اندماج قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في المؤسسة العسكرية السورية محطة مفصلية في مسار إعادة بناء الدولة السورية، باعتباره خطوة تتجاوز البعد العسكري إلى إعادة تنظيم العلاقة بين السلطة المركزية والقوى التي فرضت حضورها خلال سنوات الحرب. فالانتقال من تعدد القوى والتشكيلات المسلحة إلى مؤسسة عسكرية واحدة يضع أمام دمشق و”قسد” اختباراً بالغ الأهمية، عنوانه توحيد القرار العسكري والأمني وترسيخ سيادة الدولة على كامل أراضيها.
يرى الصحافي والمحلل السياسي أحمد المسالمة في حديث خاص لـ”ديمقراطيا نيوز”، أن أهمية هذا الاندماج تكمن في أنه يرسخ مبدأ وحدة الدولة واحتكارها للسلاح، معتبراً أنه يعني انتقال سوريا من واقع تعدد القوى العسكرية إلى مبدأ الجيش الوطني الواحد، بما يعزز سيادة الدولة ووحدة أراضيها، ويخفف في الوقت نفسه أحد أبرز مصادر التوتر مع تركيا، فضلاً عن مساهمته في إعادة رسم التوازنات الإقليمية المحيطة بسوريا.
وبحسب المسالمة، فإن انتهاء “قسد” كقوة عسكرية وتنظيمية مستقلة بات أمراً قائماً إلى حد كبير، إلا أن ذلك لا يعني اختفاءها سياسياً أو اجتماعياً. ويبرز هنا التحدي الأهم المرتبط بآلية تنفيذ الاندماج، ومدى انتقال عناصرها وقياداتها فعلياً إلى مؤسسات الدولة، بعيداً عن الاكتفاء بإعادة توزيعهم ضمن تشكيلات تحمل اسم الجيش السوري مع بقاء البنى والولاءات السابقة على حالها.
ويؤكد المسالمة أن الاختبار الأصعب يبدأ فعلياً داخل المؤسسة العسكرية نفسها، مشيراً إلى أن نجاح عملية الاندماج لا يقاس بعدد المقاتلين الذين دخلوا الجيش، وإنما بمدى خضوع الجميع لقيادة واحدة وقرار عسكري واحد وعقيدة وطنية واحدة. ويحذر من أن بقاء ولاءات أو هياكل عسكرية موازية داخل المؤسسة سيعني أن المشكلة لم تُحل، بل انتقلت من خارج الجيش إلى داخله.
ومن هذا المنطلق، لا يرى المسالمة أن المسألة تقتصر على تفاهم بين “قسد” ودمشق، بل يعتبرها اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة السورية على توحيد قرارها العسكري والأمني. فالتحدي، وفق رؤيته، لا يكمن في توقيع الاتفاق أو إعلان الاندماج، وإنما في تحويله إلى واقع مؤسساتي ينهي تعدد مراكز القوة، ويضع السلاح والقرار الأمني تحت سلطة الدولة وحدها.
وفي المقابل، تبقى مسألة الحقوق السياسية والثقافية للأكراد جزءاً أساسياً من مستقبل هذا التفاهم. ويرى المسالمة أن الفرصة لا تزال متاحة للوصول إلى تسوية تاريخية، لكن ذلك يتطلب بناء الثقة بين الطرفين، فدمشق تسعى إلى دولة موحدة وقرار سيادي واحد، في حين يبحث الأكراد عن ضمانات تحول دون العودة إلى سياسات التهميش السابقة.
ويطرح المسالمة، في هذا السياق، أن تكون الضمانات الكردية ذات أساس دستوري وقانوني، لا عسكرياً، بحيث تُصان الحقوق السياسية والثقافية ضمن مؤسسات الدولة، من دون الحاجة إلى الإبقاء على قوة عسكرية مستقلة. وبذلك، يمكن أن يتحول الاندماج من مجرد ترتيب أمني إلى مدخل لتسوية أوسع تعيد صياغة العلاقة بين الدولة السورية والمكوّن الكردي على أسس أكثر استقراراً، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها دولة واحدة ومؤسسات واحدة وقرار سيادي موحّد.
