من الشكوى إلى البلاغ الموثق… روي بو ناصيف و”Baladi Map” يضعان مشاكل المواطنين على الخريطة

بقلم إحسان الطبش

في لبنان، قد تبدأ الحكاية بصورة لحفرة في أحد الشوارع، أو نفايات متراكمة، أو مشكلة في المياه والكهرباء، أو تعدٍّ على رصيف أو ملك عام. تُلتقط الصورة، تُرسل إلى مجموعات “واتساب”، يتفاعل الناس معها ويجمعون على أن المشكلة لم تعد مقبولة… ثم تمرّ الأيام، تختفي الصورة بين مئات الرسائل، فيما تبقى المشكلة في مكانها.

من هنا انطلقت فكرة “Baladi Map”، وهي منصة عامة ومجانية تهدف إلى تحويل مشاكل المواطنين اليومية إلى بلاغات موثّقة يمكن متابعتها والعودة إليها، بدل أن تبقى مجرد شكاوى عابرة على مواقع التواصل.

وفي حديث خاص لـ موقع ”ديمقراطيا نيوز”، يروي روي بو ناصيف تفاصيل مشروع “Baladi Map”، من فكرة إطلاقه وتطويره، إلى آلية استقبال البلاغات ومتابعتها وصولاً إلى التأكد من معالجتها على أرض الواقع.

روي بو ناصيف، من بلدة أرده في قضاء زغرتا، هو مهندس ميكانيك وحائز على ماجستير في الهندسة الصناعية وإدارة الهندسة. عاش جزءاً من طفولته في أستراليا، حيث لمس في سن مبكرة طريقة مختلفة في تعامل الإدارة المحلية مع شكاوى المواطنين، إذ تُسجّل المشكلة وتُتابع ضمن آلية واضحة، وتكون هناك جهة محددة مسؤولة عنها.

هذه التجربة دفعته إلى طرح سؤال حول الواقع اللبناني، خصوصاً أن المشكلة، برأيه، لا تكمن في غياب اهتمام الناس، بل في غياب “السجل”.

ويقول بو ناصيف إن لبنان لم يملك سابقاً أرشيفاً عاماً وموثقاً لمشاكل البلديات، ولذلك تعامل مع المسألة من خلفيته الهندسية باعتبارها مشكلة يمكن إيجاد حل تقني ومنهجي لها. وهكذا تحولت الفكرة إلى مشروع فعلي يموله بالكامل من ماله الخاص، من دون تمويل خارجي أو انتماء سياسي.

كيف يعمل “Baladi Map”؟:

منصة تتيح للمواطن توثيق المشاكل الواقعة ضمن مسؤولية البلدية، بالصورة والتاريخ والموقع الجغرافي، بحيث يبقى البلاغ منشوراً ومتاحاً للمتابعة إلى حين معالجته.

أُطلقت النسخة الأولى من المنصة مطلع عام 2026، بعد أشهر من العمل المكثف، فيما يستمر تطويرها بشكل يومي حتى اليوم.

ورغم اتساع المشروع، فإن فريق العمل حتى الآن يقتصر على شخص واحد، إذ تولّى بو ناصيف التصميم والتطوير والتمويل والإدارة بنفسه. ومع ذلك، تضم المنصة منذ اليوم الأول جميع بلديات لبنان، وعددها نحو 1100 بلدية، ولكل بلدية صفحة خاصة تتجمع عليها البلاغات الواقعة ضمن نطاقها الجغرافي.

أما البلديات التي فعّلت حساباتها الرسمية وتسلمت لوحة التحكم الخاصة بها، فلا يزال عددها محدوداً، لكنه يتزايد تدريجياً، مع بدء عدة بلديات بالتواصل لتفعيل حساباتها.

دقيقة واحدة لتوثيق المشكلة:

حرص مطوّر “Baladi Map” على جعل عملية تقديم البلاغ بسيطة وسريعة، بحيث لا يحتاج المواطن إلى أكثر من دقيقة لإرسال شكواه.

يدخل المستخدم إلى الموقع الإلكتروني baladimap.com أو إلى التطبيق المتوفر بالعربية والإنكليزية والفرنسية، ثم يلتقط صورة للمشكلة ويضيف عنواناً ووصفاً مختصراً لها، فيما يُحدَّد الموقع الجغرافي تلقائياً عبر الجهاز، مع إمكانية تعديله عند الحاجة.

ولا يشترط إنشاء حساب لإرسال البلاغ، كما يستطيع المواطن الحفاظ على سرية هويته. ولحماية الخصوصية، تُخفى ملامح الوجوه وأرقام لوحات السيارات تلقائياً.

ولمن لا يرغب في استخدام التطبيق، هناك خيار آخر: إرسال الصورة والمعلومات عبر “واتساب” على الرقم التالي: 76101062

أما المشاكل التي يمكن الإبلاغ عنها، فتشمل كل ما يقع ضمن نطاق الصلاحيات البلدية، من الطرقات والسير والحفريات، إلى النفايات والمياه والصرف الصحي والكهرباء والمولدات، إضافة إلى التعديات على الأملاك العامة والأرصفة وغيرها من الشؤون المحلية.

من شكوى إلى بلاغ قابل للمتابعة:

لكن الفكرة لا تتوقف عند نشر صورة على الخريطة.

كل بلاغ يمر أولاً بمرحلة مراجعة وتدقيق للتأكد من دقته ومن أنه يقع فعلاً ضمن نطاق صلاحيات البلدية، ولا يُنشر قبل التحقق منه.

بعد الموافقة عليه، يُثبّت البلاغ على الخريطة ضمن صفحة البلدية المعنية، مرفقاً بالصورة والتاريخ والموقع الجغرافي، ويصبح متاحاً للأهالي والإعلام والبلدية نفسها.

وهنا يتحول البلاغ من مجرد شكوى عابرة إلى حالة موثقة لها رقم مرجعي وتاريخ ومسار واضح يمكن الرجوع إليه في أي وقت.

وفي البلديات التي فعّلت حساباتها الرسمية، تستطيع البلدية الاطلاع مباشرة على البلاغات الواقعة ضمن نطاقها، والرد عليها وتحديث مسارها بشكل علني، فيما يعمل فريق المنصة على توسيع هذه الآلية لتشمل أكبر عدد ممكن من البلديات في مختلف المناطق اللبنانية.

كيف يعرف المواطن أن المشكلة حُلّت؟:

لكل بلاغ صفحة خاصة تظهر وضعه والتحديثات والردود المرتبطة به، ما يسمح للمواطن بمتابعة مساره منذ لحظة نشره وحتى الوصول إلى نتيجة.

ولا تقتصر المتابعة على صاحب البلاغ، إذ يستطيع أي مواطن متأثر بالمشكلة نفسها تأكيد أنه يواجهها، ما يساعد على إظهار حجم المشكلة وعدد الأشخاص المتضررين منها.

أما المستخدم الذي ينشئ حساباً على المنصة، فتصل إليه إشعارات عند وجود أي رد أو تحديث يتعلق ببلاغه.

وبالمقابل، تستطيع البلدية أن تعلن أن المشكلة عولجت، أو أن توضح أنها تقع خارج نطاق صلاحياتها، ويظهر ذلك بشكل علني ضمن البلاغ.

لكن “Baladi Map” تضع قاعدة أساسية في عملية التأكد من الحل: المعالجة النهائية لا يؤكدها التطبيق ولا البلدية، بل الأهالي أنفسهم.

فالمشكلة لا تُعتبر محلولة بشكل نهائي إلا بعد أن يؤكد السكان أن المعالجة أُنجزت فعلياً على الأرض. وقد سجّلت المنصة بالفعل أولى الحالات التي مرت بهذه الآلية، من توثيق المشكلة إلى معالجتها، ثم عودة الأهالي لتأكيد إنجازها ميدانياً.

منصة لكل لبنان:

لا تقتصر على منطقة محددة، بل تشمل كل لبنان منذ اليوم الأول. من عكار إلى بنت جبيل، لكل بلدية صفحتها الخاصة، فيما تتوزع البلاغات المنشورة حالياً على عشرات البلدات في مختلف المحافظات.

لكن الهدف، وفق بو ناصيف، ليس مهاجمة البلديات أو افتراض تقصيرها مسبقاً، خصوصاً أن عدداً كبيراً منها يعمل بإمكانات وموارد محدودة.

فغياب سجل واضح للبلاغات والمتابعة، بحسب رؤيته، يضر بالطرفين: المواطن الذي لا يجد وسيلة موثقة لإيصال صوته، والبلدية التي تعمل وتنجز من دون أن يظهر بالضرورة حجم ما تقوم به أمام الناس.

ومن هنا، فإن توثيق البلاغات ونتائج معالجتها يمكن أن يجعل تقييم الأداء أكثر دقة وموضوعية، بحيث لا تبقى المحاسبة قائمة على الانطباعات أو الاتهامات العامة، بل على وقائع وبيانات يمكن الرجوع إليها.

من “منشور” إلى مسؤولية:

بالنسبة إلى بو ناصيف، يمكن لهذا النوع من المنصات أن يغيّر طريقة تعامل المواطن مع مشاكله اليومية، لأن التغيير يبدأ من التوثيق والمتابعة.

فالشكوى على وسائل التواصل قد تحقق تفاعلاً سريعاً، لكنها غالباً ما تبقى عابرة، بينما يبقى البلاغ الموثق محفوظاً، ويمكن الرجوع إليه لمعرفة ما آلت إليه المشكلة.

ومع الوقت، يمكن أن تتحول هذه البلاغات إلى بيانات تظهر حجم المشاكل وتكرارها والمدة التي بقيت خلالها من دون معالجة، كما تعطي صورة أوضح عن مستوى الاستجابة والأداء.

وهكذا، يحاول “Baladi Map” نقل العلاقة بين المواطن والبلدية من مجرد شكوى ورد فعل إلى علاقة أكثر وضوحاً تقوم على الوقائع والمسؤولية.

فالتطبيق لا يعالج المشكلة بدل البلدية، لكنه يضعها أمام الجميع بصورة واضحة وموثقة، ويمنح المواطن أداة عملية لمتابعتها حتى الوصول إلى نتيجة.

وفي بلد اعتاد فيه كثيرون أن يشعروا بأن شكواهم تضيع مع الوقت، قد يكون إنشاء سجل عام لمشاكل الناس، يمكن متابعته والعودة إليه، خطوة في اتجاه مختلف: أن لا تختفي المشكلة بمجرد أن تختفي الصورة من مجموعة “واتساب”.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top