بهية الحريري: الاعتراف بأخطاء الماضي ضرورة كي لا نورّثها للمستقبل

نظمت “مؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة عبر أكاديمية الدولة الوطنية” لقاء بعنوان “قراءات في كتاب وليد جنبلاط: قدرٌ في هذا المشرق”، تخلله عروض تفصيلية وتحليلية لمضمون الكتاب من فريق الأكاديمية، وشهادات في الكتاب من الروائية والكاتبة والأكاديمية الدكتورة هدى عيد والإعلامي والأكاديمي والباحث الدكتور يقظان التقي والكاتب والمحلل السياسي محمود القيسي، ومحاكاة لقراءات له من خلال الذكاء الإصطناعي.

كما تخلل اللقاء عرض فيديو عن الأكاديمية ونشاطاتها وتعريف بالقراءات، ومقتطفات من مقابلة تلفزيونية مع جنبلاط، وتوزيع نسخ من الكتاب على الحاضرين.

حضر اللقاء، الذي أقيم في مقر الأكاديمية في صيدا، النائبان أسامة سعد وبلال عبد الله، ممثل النائب عبد الرحمن البزري كامل شريتح، ممثل النائب علي عسيران هاني بيضاوي، النائب السابق محمد الحجار، نائب رئيس المكتب السياسي “للجماعة الاسلامية” بسام حمود، رئيس اتحاد بلديات صيدا الزهراني مصطفى حجازي، شخصيات رسمية وسياسية وأمنية وأكاديمية اقتصادية وفكرية واجتماعية بلدية واختيارية.

الحريري

افتتاحا بالنشيد الوطني، فكلمة ترحيب من نادر الصباغ من فريق أكاديمية الدولة الوطنية، عرض فيها برنامج اللقاء. ثم ألقت نائبة رئيس “تيار المستقبل” رئيسة “مؤسسة الحريري للتنمية البشرية” النائبة السابقة بهية الحريري كلمة توقفت فيها عند ثلاث محطات لها مع الكتاب، استحضرت من خلالها بعض جوانب العلاقة التي كانت تربط بين جنبلاط والرئيس الشهيد رفيق الحريري، فقالت: “أخي الكبير رفيق الحريري أخذني أنا أخته الصغيرة، إلى قراءة ما كتبه عنه الأستاذ وليد جنبلاط، الزعيم الذي أحبّه رفيق الحريري ووثق به. فقرأت الصفحات التي خصّصها له في كتابه “قدرٌ في هذا المشرق” الصادر آنذاك باللغة الفرنسية، وكانت مدخلي لقراءة صفحات الكتاب الـ285 باللغة العربية”.

أضافت: “أيام عديدة رافقني فيها رفيق الحريري وأنا أقرأ الكتاب، وكثيرة هي المحطات والرحلات والتجارب والاختيارات التي تفوق التصور، والتي أخذ بيدي فيها أخي الكبير. واحدى هذه المحطات تعود إلى العام 1989، حين طلب مني أن أذهب إلى قصر المختارة لأنقل رسالة شديدة الخصوصية إلى الأستاذ وليد بك جنبلاط، وقال لي كلاما بقي معي طوال هذه السنوات: إن ما يجمعه بوليد بك لا يستطيع أحد أن يفرّق بينهما.. ومرّت السنوات، وجاء 14 شباط 2005، واغتيل رفيق الحريري”.

وتابعت: “ثم جاء 14 آذار، يوم الوفاء الأهلي الصادق والكريم، لأدرك أن هناك فرقا بين الحزن العميق وبين حجم المسؤولية بعد غياب رفيق الحريري. حينها تذكرت ما خصّني به أخي قبل اغتياله، فوجدت نفسي صباح 16 آذار أطرق باب المختارة لأشارك وليد بك وقوفه الوقور أمام ضريح والده الزعيم الكبير الشهيد كمال جنبلاط. كان الزمن قد تغيّر، وكان رفيق الحريري قد غاب، لكن كلماته عن وليد بك بقيت حاضرة في ذاكرتي”.

وقالت: “جاءت محطة “قدرٌ في هذا المشرق”، وتشرّفت بتلبية الدعوة إلى حفل توقيع الكتاب وبحضور مميز بدا لي يومها وكأنه كلّ لبنان. كانت لحظات عصيّة على التعبير كتابة أو كلاما، لأنني شعرت بأنني أشارك في حدث وطني وثقافي وإنساني يوثّق ما مضى ويستشرف ما هو آتٍ، وأدركت حينها أن القراءة الأولى بالفرنسية والقراءة الثانية بالعربية وما سمعته من أسئلة ومداخلات في حفل التوقيع، قد لا يكون كافيا لإدراك كلّ ما يحمله هذا الكتاب الحدث. ومن هنا تأتي دعوتنا اليوم لنتشارك قراءات في كتاب الأستاذ وليد جنبلاط “قدرٌ في هذا المشرق”، بمشاركة صديق جديد دخل عالمنا المعرفي هو الذكاء الإصطناعي”.

أضافت: “ان كتاب “قدر في المشرق” لا يضعنا أمام ذكريات وليد جنبلاط وحده، ولا أمام تاريخ رجال وأحداث فقط، بل أمام منهج سياسي قد يشكل مدخلا للخلاص، منهج يقوم على أهمية المراجعات الدقيقة، وشجاعة الاعتراف، والقدرة على النقد والنقد الذاتي، وعلى أن نقرأ أخطاء الماضي لكي لا نورّثها إلى المستقبل”.

وتابعت: “لبنان لا يحتاج فقط إلى من يروي تاريخه، بل إلى من يمتلك الشجاعة لمراجعته حتى نستطيع أن ننقذه من تلك الأقدار المشرقية المتكررة، كما يقول عنوان الكتاب: من الحروب الأهلية إلى السلام المستحيل”.

عيد

ثم كانت شهادات في الكتاب استهلتها الدكتورة هدى عيد بشكر مؤسسة الحريري”على دعوتها إلى “رحاب القراءة والتفكر، استدعاء منها لتحفيز الوعي”. واعتبرت أن “وليد جنبلاط يقدم في كتابه شهادة شخصية وأخرى عامة، جمع فيها ما بين السيرة الذاتية والتّوثيق التاريخي”، لافتة الى أن “الكتاب ينطلق من استمرار النهج الذي أرساه الشهيد كمال جنبلاط والدعوة إلى إعادة التفكير بمستقبل لبنان وسط العصف السياسيّ والطائفيّ”.

وقالت: “يبرز في السيرة وعيُ جنبلاط الأخلاقي والسياسي، حاسبا كتابته ترياقا ورسالة أمل للأجيال المقبلة، معترفا ببعض أخطائه، طالبا المسامحة. ان خطاب جنبلاط يتبلور في كتابه السيّريّ، متأرجحا بين المثالية الأخلاقية والبراغماتية السياسية، فيبرر تحالفاته مع قوى سلطوية كخيار ضرورة، ما يضعه في تناقض مع الإشتراكية التي تبنّاها والده”.

أضافت: “الكتاب أقرب إلى شهادة شخصية منه، إلى مرجع تاريخي محايد”.

التقي

من جهته، قال التقي: “يجب وضع الكتاب منهجيا في البيئة السياسية الداخلية “المخربطة” والمتعثرة، والتشويش الطاغي في خطابات الحرب والسياسية والكراهية”.

أضاف: “كتاب “قدر في هذا الشرق” ليس دروسا في التاريخ في خريطة الأحداث المتداخلة والمعقدة، بل أتى في سردية واحدة، مفتوحة على نقاش حول الأحداث المترابطة في عناوينها وفصولها. وتبقى نقطة كان فيها الرئيس رفيق الحريري في كل الكتاب. الحريري يبقى المنجز الحضاري الوحيد في بناء مستقبل البلد، ونعرف جميعا حجم ما أعطاه للبنان وشبابه وعمرانه وللعاصمة بيروت”.

وتابع: “إننا أمام سردية واحدة، لرجل عاش الأحداث على مدى خمسين عاما. ومجتمعاتنا للأسف لم تعرف التكيف مع مفهوم الدولة، ويدفع اللبنانيون الثمن الباهظ، ما يؤكد مسؤولية الطبقة السياسية عن العثرات في مراكب البطولة، وتدهور الأوضاع في بلد الأرز والزيتون نحو الأسوأ”.

القيسي

بدوره، قال القيسي: “وليد جنبلاط في كتابه “قدر في هذا الشرق” يقدم لنا من قلب التجربة اللبنانية الأصعب، كتاب دروس في: الواقعية السياسية، والجرأة بالنقد الذاتي والإعتراف بالأخطاء -وهذه شجاعة نحن بحاجة لها اليوم- ودرس الإنتماء للبنان واعادة وضعه في قلب المعادلة، لا أن نكون ساحة لغيرنا”.

أضاف: “نحن اليوم بحاجة لهذه المذكرات، ليس لنعيش في الماضي بل لنفهم كيف خرجنا من الحروب، وكيف فشلنا ونجحنا، وكيف لم نزل واقفين. الكتاب دعوة للشباب: اقرأوا تاريخكم، تعلموا من أخطاء الكبار، لكن لا تعيدوها”.

وختم: “شكرا للأستاذ وليد جنبلاط على هذه الصراحة. وشكرا للبنان الذي لا يزال يمنحنا القدرة لنحكي، نختلف، ونعود ونحب بعضنا البعض. عسى أن يكون “قدرنا في هذا المشرق” هو بناء دولة، ليس هدم وطن”.

محمد الحريري

بعد ذلك كان عرض من مدير البحث والتطوير في مؤسسة الحريري المهندس محمد الحريري عن بنية ومضمون الكتاب ضمن إضاءة على مكوناته الأساسية، وما تحتويه مقدمته من سيرة ذاتية ومواقف وعرض عام لأبرز المراحل التي مر بها لبنان في تاريخه الحديث، الى ما يتضمنه من سرد لمحطات مفصلية شخصية ووطنية وإقليمية، وتحولات شهدها لبنان خلال وبعد كل محطة، الى خلاصات الكتاب والخاتمة.

محاور الكتاب

ثم قدم المهندس جهاد عاكوم من فريق الأكاديمية، من خلال أدوات الذكاء الإصطناعي، عرضا لما يتضمنه الكتاب من فصول وما يؤرخ له من حقبات ويذكره من شخصيات ومواضيع، في قراءة كمية ومعجمية، سياقية ودلالية وبنيوية، وعلى مستوى العلاقات بين الشخصيات والأماكن والأحداث، والتقاطعات بين الجغرافيا والسياسة والأمن والطائفة والعائلة والإنسان، مفصلا كل محور وحضوره في الكتاب وسياقاته وتقاطعاته وتأثيراته على صاحب الكتاب كما على مجريات الأحداث.

قراءات بالذكاء الإصطناعي

تلى ذلك عرض من المهندس كريم سلامة من فريق الأكاديمية، عن دور الذكاء الاصطناعي في القراءات واستنباط ما يُقال في الكتاب من خلال بناء ثمانية قرّاء متخيّلين، في 3 فيديوهات، تُرك لكلّ منهم أن يقرأ الكتاب كاملًا. فتم اختيار ثلاثة منهم وعرض خلاصة قراءاتهم للكتاب: الأول لم يعاصر الأحداث. والثاني عاصرها وعاش نتائجها. والثالث تناولها بوصفها مادّة بحث، وما خرجت به قراءة كل من هذه الشخصيات حول الكتاب.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top