
بقلم ياسمين شعبان
في ظل تسارع التطورات العسكرية والسياسية في المنطقة، لم تعد المواجهة الأميركية–الإيرانية محصورة في حدود الضربات والردود المباشرة، بل باتت انعكاساتها تمتد إلى ساحات النفوذ الإقليمي، وفي مقدمتها لبنان. وبين مسارات التفاوض المعلّقة، وحسابات إسرائيل العسكرية، ودور حزب الله، تبرز مرتفعات علي الطاهر كنقطة استراتيجية شديدة الحساسية في أي تطور ميداني محتمل في الجنوب.
وفي حديث خاص لـ”ديمقراطيا نيوز” ، يرى المحلل الاستراتيجي مارسيل بالكوجي أن الحرب الأميركية–الإيرانية مرشحة للاستمرار لفترة أطول، مستبعداً أن تصل في المرحلة الحالية إلى حسم سريع أو إلى عملية عسكرية أميركية شاملة تستهدف كامل الأراضي الإيرانية.
ويضع بالكوجي التحركات والزيارات الاستخباراتية والدبلوماسية الجارية في سياق أوسع من مجرد الاتصالات السياسية، مستحضراً المسار الذي سبق بعض المحطات في الحرب الأوكرانية، ومعتبراً أن هذه التحركات قد تكون جزءاً من التمهيد وإدارة المرحلة المقبلة من المواجهة مع إيران، سواء على مستوى الحرب أو المفاوضات.
وبحسب بالكوجي، فإن السيناريو الأقرب خلال المرحلة الحالية هو استمرار حرب الاستنزاف، على أن تتبدل الحسابات والسيناريوهات بعد ثلاثة أو أربعة أشهر وفق النتائج التي ستنتج عن الميدان. ويرى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يتجه إلى تنفيذ عملية عسكرية محدودة تستهدف هدفاً أو موقعاً معيناً، لكنه يستبعد في الوقت الراهن سيناريو ضربة واسعة تشمل إيران بأكملها. ويلفت إلى أن أحد العناصر الأساسية في المواجهة يتمثل في الأذرع والقوى المرتبطة بإيران في المنطقة، من لبنان إلى اليمن والعراق، مشيراً إلى أن هذه القوى لا تزال تشكل جزءاً من معادلة القوة الإيرانية وأوراقها في أي مفاوضات أو ترتيبات إقليمية مقبلة.
وعن انعكاسات التصعيد على لبنان، يؤكد بالكوجي أن الساحة اللبنانية ليست منفصلة عما يجري إقليمياً، لافتاً إلى وجود ارتباط مباشر بين حزب الله والقيادة الإيرانية، وإلى أن التطورات الميدانية في لبنان تبقى مرتبطة بمسار الاشتباك الأكبر بين إيران وإسرائيل. ويرى أن المسارات التفاوضية المرتبطة بلبنان لا تحقق حتى الآن تقدماً حاسماً، سواء على مستوى الحديث عن “المناطق التجريبية” أو الآليات المرتبطة بها، إضافة إلى مسار مفاوضات روما الذي يعتبر أنه لا يزال معلقاً عملياً، والمفاوضات الحقيقية تجري حالياً على الأرض، فيما تبقى التسويات السياسية في حالة انتظار لما ستؤول إليه المواجهة الإقليمية، خصوصاً بين إيران وإسرائيل.
وفي قراءته للوضع في مرتفعات علي الطاهر، يعتبر بالكوجي أن أهمية المنطقة تتجاوز بكثير بعدها الجغرافي، نظراً إلى موقعها وقدرتها على التأثير في حركة القوات والإمداد ومراقبة مساحات واسعة من الجنوب. ويشرح أن السيطرة على هذه المنطقة يمكن أن تمنح إسرائيل قدرة أكبر على مراقبة طرق الإمداد والتحركات، وتهدد بقطع التواصل بين مناطق انتشار حزب الله وعزل قواته في الجنوب عن امتداداتها الأخرى.
كما يرى أن موقع علي الطاهر يمنح من يسيطر عليه أفضلية عسكرية مرتبطة بمحاور جزين والنبطية والزهراني، ما يجعل المنطقة جزءاً أساسياً من أي محاولة لإعادة رسم الواقع العسكري في الجنوب وإغلاق طرق الإمداد أو الحركة باتجاهه. ولا يحصر تداعيات سقوط المنطقة بالجانب العسكري، بل يعتبر أن لذلك أثراً معنوياً وشعبياً كبيراً، ولا سيما داخل البيئة الحاضنة لحزب الله، وبالتالي فإن معركة علي الطاهر تحمل أبعاداً تتجاوز السيطرة على نقطة جغرافية بحد ذاتها.
ويشدد بالكوجي على أنه لا يمكن فصل ما يجري في لبنان عن بقية ساحات المنطقة، قائلاً إن “كل الساحات متشابكة”، وإن إسرائيل تتعامل مع عملياتها وفق توقيت محسوب وليس بالضرورة وفق منطق الحسم السريع. ويرى أن أحد أبرز العوامل التي تضبط وتيرة العمليات الإسرائيلية هو الخشية من دفع إيران إلى توسيع المواجهة واستهداف شمال إسرائيل، لما لذلك من انعكاسات عسكرية وسياسية وداخلية، بما فيها الحسابات الانتخابية الإسرائيلية.
لذلك، يعتبر بالكوجي أن إسرائيل قد تفضّل التقدم بصورة تدريجية وبطيئة، بدلاً من تنفيذ عملية واسعة تؤدي إلى انفجار شامل للجبهات.
وبذلك، تبدو معركة علي الطاهر، وفق قراءة بالكوجي، جزءاً من لوحة إقليمية أكبر: حرب أميركية–إيرانية مفتوحة على الاستنزاف، مواجهة إيرانية–إسرائيلية تتحكم بإيقاع ساحات المنطقة، ومسارات تفاوضية لبنانية تنتظر ما سيرسمه الميدان قبل أن تنتقل التسويات من الأوراق إلى التنفيذ.
