
بقلم د. عبدالله جرّاح
عندما تندلع الحرب، تدور رحاها على كل القطاعات الإنسانية، ولعل “الأطفال” هم الحلقة الأضعف في غمارها، تطاولهم الأعمال العدائية، يصبحون في مرمى مخاطر لا تحصى، ويُحرمون من أجمل سنوات الطفولة، لذلك فإن حماية الأطفال مهمة إنسانية سامية في غاية الأهمية، فهم قبل كل شيء الحاضر والمستقبل، وعليه يجب التركيز دائمًا على مختلف التحديات والعوائق التي تواجه الأطفال المتضررين من النزاعات المسلحة.الحرب لا تنتهي بالنسبة إلى الطفل عندما تصمت المدافع أو تتوقف الغارات، فقد ينتهي الحدث في الخارج، لكنه قد يستمر طويلًا في داخله .. في نومه، أحلامه، سلوكه، وطريقة نظرته إلى العالم وإلى الآخرين، لاسيما ونحن على أبواب عام دراسي جديد.الأطفال هم من أكثر الفئات هشاشة أمام الحروب والنزاعات والتهجير، ليس فقط لأنهم يفتقرون إلى القدرة على حماية أنفسهم، بل لأن عالمهم النفسي ما يزال في طور التكوين، فالبيت، والمدرسة، والأسرة، والحي، كلها تمثل بالنسبة إليهم مساحات أساسية للأمان، وعندما تنهار هذه البيئة فجأة، يشعر الطفل أن العالم الذي كان يعرفه لم يعد موجودًا.تشير الأدبيات المرتبطة بضحايا الحروب إلى أن النساء والأطفال يُمثلون نسبة كبيرة من ضحايا النزاعات الحديثة، كما أن الأطفال قد يجدون أنفسهم في مواقف شديدة الخطورة، بما فيها التهجير أو فقدان أحد الوالدين أو مشاهدة العنف والدمار.أظهرت أعمال عالم النفس “ويليام يول”، وتجاربه أهمية في التعامل مع الأطفال المتأثرين بالحروب والكوارث، بحيث لاتقتصر المساعدات الإنسانية على الغذاء والمأوى والرعاية الصحية، بل أن يترافق معها دعم نفسي وإعادة تهيئة اجتماعية موزونة، في محاولة للتخفيف عن الطفل الويلات التي عاشها خلال الحرب .وقد برزت هذه الحاجة بوضوح في تجارب كثيرة ما بعد الحروب، خصوصًا لدى الأطفال اللاجئين من مناطق النزاع، الذين اضطروا لترك منازلهم، فقد يعجز الطفل أن يقول: “أنا مصاب بصدمة نفسية” .. لكنه قد يقول ذلك بطريقة أخرى.قد تظهر الصدمة في اضطرابات النوم والكوابيس، أو الخوف الشديد، أو التعلق الزائد بالأم، أو نوبات الغضب والبكاء، أو الانسحاب والصمت، وقد تتراجع قدرته على التركيز والتحصيل الدراسي، أو يصبح شديد الحساسية تجاه الأصوات والحركة، أو يعيد تمثيل مشاهد الحرب من خلال اللعب.لهذا السبب، فإن التعامل مع “الطفل” المتأثر بالحرب يحتاج إلى فهم ما وراء السلوك، لا الاكتفاء بالحكم عليه، فالطفل الذي أصبح عدوانيًا قد لا يكون “طفلًا سيئًا”، والطفل الذي فقد اهتمامه بالدراسة قد لا يكون “كسولًا”؛.. ربما يكون عقله ما يزال منشغلًا بمحاولة استيعاب تجربة لم تكن قدرته النفسية مهيأة لتحملها.هنا يصبح دور “علم النفس الإكلينيكي” مهمًا في التمييز بين ردود الفعل الطبيعية على أحداث استثنائية، وبين الحالات التي تستدعي تدخلاً علاجيًا متخصصًا، إذ لا يمكن أن نطلب من طفل عاش الحرب أن يعود مباشرة إلى حياته الطبيعية، لهذا من الضروري أن تكون الخطوة الأولى أن يشعر بأنه أصبح في مكان آمن، وأن هناك من يمكنه الوثوق بهم، وأن حاجاته الأساسية مضمونة.بعد ذلك يمكن أن تأتي التدخلات النفسية المناسبة، ومنها العلاج المعرفي السلوكي، وبعض تقنيات إزالة التحسس وإعادة المعالجة، والتدخلات الجماعية، وبرامج الدعم النفسي بعد الأحداث الحرجة، وقد طُبقت مثل هذه الأساليب في سياقات مختلفة لمساعدة الأطفال والناجين على التعامل مع الخوف والحزن والذكريات الصادمة.لكن العلاج لا يعني دائمًا جلسة نفسية تقليدية، فاللعب، والرسم، والقصص، والحوار، والأنشطة الجماعية قد تكون وسائل مهمة لمساعدة الطفل على التعبير عن مشاعر يصعب عليه تحويلها إلى كلمات.بعد الحرب، قد تكون المدرسة واحدة من أهم الأماكن التي تساعد الطفل على استعادة حياته، فهي تمنحه نمطًا يوميًا مليئًا بالأنشطة، وفرصة للعودة إلى التعلم، والتفاعل مع أقرانه، والشعور بأن المستقبل ما زال ممكنًا، لهذا فإن تدريب المعلمين على ملاحظة علامات “الضيق النفسي” والتعامل معها يمثل جزءًا مهمًا من برامج التعافي، فالمعلم قد يكون أول شخص يلاحظ تغيرًا في سلوك الطفل أو قدرته على التركيز أو علاقاته بزملائه.وقد تناولت التجارب المرتبطة بالأطفال في البيئات ما بعد الحرب أهمية تدريب المعلمين، وإدخال برامج للتعامل مع الحزن والغضب والفقدان، مع الاهتمام أيضًا بالصحة النفسية للمعلم نفسه، لأن الشخص الذي يساعد الأطفال يحتاج بدوره إلى الدعم حتى لا يتحول الضغط المهني إلى إنهاك نفسي.يبقى دور الأسرة محوريًا ومهمًا جدّا، فالطفل يحتاج إلى شخص بالغ يستطيع أن يسمعه من دون أن يقلل من خوفه أو يسخر من أسئلته، لا يحتاج الطفل دائمًا إلى إجابات مثالية؛ يحتاج قبل كل شيء إلى حضور هادئ يشعره بأنه ليس وحده، كما يجب تجنب إجباره على الحديث عن التجربة قبل أن يكون مستعدًا، أو تكرار سؤاله عن تفاصيل مؤلمة بصورة قد تعيد تنشيط الخوف لديه.إن إعادة بناء حياة الطفل بعد الحرب ليست مسألة علاجية فقط، بل مسؤولية إنسانية ومجتمعية، فإعادة بناء المنزل والمدرسة والحي مهمة، لكن إعادة بناء الإحساس بالأمان داخل الطفل لا تقل أهمية عنها.فالطفل الذي نساعده اليوم على تجاوز الصدمة، هو الإنسان الذي سيحمل غدًا ذاكرته إلى المجتمع، وكلما نجحنا في مساعدته على استعادة الأمان والثقة والقدرة على التعلم والتواصل، زادت فرص أن تتحول تجربة الحرب من جرح دائم إلى تجربة استطاع أن يتعافى منها ويواصل حياته.الحرب قد تهدم المكان في أيام، لكن آثارها النفسية قد تحتاج سنوات. لذلك فإن إنقاذ “الطفل” لا يعني فقط إخراجه من منطقة الخطر؛ بل يعني أيضًا مساعدته على الخروج من الحرب وآثارها التي قد تبقى مستمرة داخله لسنوات وسنوات ..
