
بقلم ياسمين شعبان
تعود أزمة موظفي القطاع العام إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة ليس فقط من باب المطالب المعيشية المتراكمة، بل أيضاً من زاوية شكل التحرك النقابي نفسه، في ظل تباين واضح بين من يفضّل التحركات المنفردة، ومن يدعو إلى توحيد الصفوف ضمن مظلة جامعة لمختلف الروابط. وبين إقفال يوم الجمعة الذي أعلنته رابطة موظفي الإدارة العامة، والدعوات إلى تحرك أوسع يشمل عدداً كبيراً من الروابط والنقابات، يبدو أن المرحلة المقبلة تتجه نحو تصعيد مفتوح في مواجهة الحكومة.
وفي حديث خاص لموقع “ديموقراطيا نيوز”، أوضح رئيس رابطة موظفي الإدارة العامة رائد حمادة أن التحرك الحالي لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة تجاهل السلطة للاعتصامات والإضرابات والتحركات التي نُفذت منذ بداية العام، رغم أن بعضها كان تحذيرياً وبعضها الآخر تصعيدياً، بالتوازي مع اتصالات مستمرة مع المعنيين.
وأشار حمادة إلى أن الموظفين وصلوا إلى مرحلة باتت فيها كلفة القدوم إلى العمل أعلى من بدل النقل الذي تمنحه الدولة، وهو ما دفع الرابطة إلى الانتقال من التحذير إلى خطوات أكثر حدة. واعتبر أن المطلب الأساسي يتمثل بإقرار رواتب جديدة وعادلة تتلاءم مع الارتفاع الكبير في كلفة المعيشة، وتمكّن العاملين في القطاع العام من الاستمرار والصمود.
ولفت إلى أن المطالب لا تقتصر على الراتب، بل تشمل أيضاً رفع بدل النقل ليعكس الكلفة الفعلية للتنقل، إلى جانب تعزيز المنح المدرسية وتقديمات تعاونية موظفي الدولة، لما لهذه التقديمات من أثر مباشر على الحياة اليومية للموظف وعائلته.
وفي ما يتعلق بيوم الجمعة، دعا حمادة الحكومة إلى إصدار مذكرة رسمية بالإقفال، معتبراً أن هذا اليوم لا يتجاوز ثلاث ساعات عمل، لكنه يرتب على الموظف كلفة انتقال وتشغيل لا تتناسب مع مردوده. وقال إن قرار الرابطة هو “إقفال قسري” ناتج عن عدم قدرة الموظف على تحمّل الكلفة، مضيفاً بسخرية أن الموظف لا يمتلك “دابة تعمل بالحشيش كوقود”.
وأكد أن يوم الجمعة سيبقى يوم إقفال ثابتاً حتى إقرار بدل نقل عادل، مشدداً على أن قرارات الرابطة مستقلة عن أي مفاوضات أو اتصالات تجريها الهيئة الإدارية مع الجهات الرسمية، وأن التصعيد سيستمر حتى تحقيق المطالب.
أما في ما يتعلق بوزير المالية، فأشار حمادة إلى أن له موقفاً إيجابياً سابقاً في موضوع المداورة، قبل أن تتوقف هذه الآلية بسبب طبيعة عمل الوزارة وضرورة الحضور اليومي المرتبطة بتحصيل الإيرادات، إلا أنه شدد على أن ذلك لا يلغي الحاجة الملحة إلى معالجة رواتب الموظفين وبدلاتهم.
وقال حمادة إن الحديث عن أي تراجع عن التحرك سابق لأوانه، لأن الأساس هو ما ستقدمه الحكومة فعلياً، مضيفاً أن “الوعود لا تشتري الطعام ولا تدفع فاتورة اشتراك الكهرباء”. واعتبر أن الكرة باتت في ملعب الحكومة، متهماً إياها بالتهرب من المسؤولية وعدم إعداد دراسات جدية للحلول، ومؤكداً أن الرابطة مستعدة لتقديم طروحات عملية إذا وجدت نية حقيقية للمعالجة.
في المقابل، قدم وليد جعجع، رئيس رابطة موظفي الإدارة العامة> في حديث خاص لموقع “ديموقراطيا نيوز” مقاربة مختلفة لشكل التحرك، إذ شدد على أن تحركات موظفي القطاع العام يجب أن تكون موحّدة وتحت مظلة واحدة، محذراً من أن تعدد التحركات وتشتت المطالب بين أكثر من جهة يصبّ في مصلحة السلطة ويضعف قدرة الموظفين على فرض مطالبهم.
وأوضح جعجع أن هناك تجمعاً يضم نحو 12 رابطة، بينها روابط العسكريين المتقاعدين والمتعاقدين وأساتذة التعليم الأساسي والثانوي والمهني والجامعة، إلى جانب روابط موظفي الإدارة العامة والخدمة المدنية، مشيراً إلى أن اجتماعات دورية تُعقد لوضع خطة تحرك تصعيدية مشتركة.
وانتقد جعجع التحركات المنفردة، معتبراً أن العمل النقابي الفعلي يجب أن يقوم على توحيد المطالب والصفوف، لا على تجزئة الملفات أو التحرك كل جهة على حدة. وبرأيه، فإن هذا التشتت يمنح السلطة مساحة أكبر للمناورة ويقلل من فعالية الضغط.
وعن أبرز المطالب، شدد على ضرورة إعطاء الموظفين مضاعفات فعلية على الرواتب واستكمال ما سبق أن وُعدوا به، بدلاً من الاستمرار في حلول مؤقتة لا تؤمن استقراراً حقيقياً. كما انتقد أداء الحكومة ووزارة المالية، معتبراً أن الموازنات المتعاقبة لم تتضمن معالجة جدية لأوضاع الموظفين.
وأشار جعجع إلى أن الموظف العام بقي حاضراً في أصعب المراحل التي مر بها لبنان، من الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا إلى الحروب والاضطرابات، وساهم في استمرار عمل مؤسسات الدولة رغم الانهيار الكبير في قدرته الشرائية.
وبينما يتمسك حمادة بإقفال الجمعة كأداة ضغط مباشرة، يدعو جعجع إلى تصعيد أوسع تحت مظلة جامعة. وبين الموقفين، يبقى جوهر الأزمة واحداً: رواتب فقدت قيمتها، وبدلات لم تعد تكفي، وتقديمات اجتماعية عاجزة عن مجاراة كلفة المعيشة. وفي ظل غياب حلول حكومية ملموسة، يبدو أن موظفي القطاع العام يتجهون إلى مرحلة جديدة من المواجهة، قد تكون أكثر تنظيماً وتصعيداً إذا فشلت السلطة مجدداً في الاستجابة.
