خارطة مخيفة للتمدد نحو البقاع.. من أين سيدخل الإسرائيلي؟

بقلم شادي هيلانة

كلما ارتفع منسوب الكلام الإسرائيلي عن جبل الشيخ، حضرت معه خريطة الجنوب والبقاع تلقائياً، ليس لأن المرتفع السوري هو الوسيلة الوحيدة التي تتيح لإسرائيل مراقبة الداخل اللبناني، وإنما لأن موقعه الجغرافي يضعه في قلب الحسابات المتعلقة بالجولان والجنوب والبقاع الغربي، وفي هذا السياق، فإن الحديث عن مراقبة حزب الله من جبل الشيخ يحتاج إلى فصل الحرب النفسية عن الاحتمالات العسكرية الفعلية، خصوصاً أن امتلاك إسرائيل منظومة استخبارات واسعة يجعل قدرتها على الرصد مرتبطة بوسائل تتجاوز الجغرافيا التقليدية بكثير.القائد السابق لقطاع جنوب الليطاني العميد الركن المتقاعد والخبير العسكري خليل الجميل يعتبر عبر “ديموقراطيا نيوز” أن كلام وزير الدفاع الإسرائيلي من جبل الشيخ في الجانب السوري، عن حماية هضبة الجولان ومراقبة حزب الله وصولاً إلى البقاع، يأتي في إطار الحرب النفسية، فإسرائيل، وفق الجميل، ليست بحاجة إلى جبل الشيخ حتى تراقب حزب الله، كونها تعتمد على طائرات التجسس والأقمار الاصطناعية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب المخابرات الموجودة على الأرض، ولذلك فإن جبل الشيخ يبقى موقعاً مؤثراً، إلا أن قدرته على المراقبة لا تضاهي الإمكانات التي توفرها منظومة التجسس والاستخبارات الإسرائيلية.وعند الانتقال إلى الجنوب، يرى الجميل أن الصورة لا تزال مفتوحة عسكرياً، إذ تسيطر إسرائيل على قضاءين من أصل سبعة أقضية، ضمن مساحة تقارب ٦٠٠ كيلومتر، أي مساحة توازي مساحة قضاءين، فيما تضم منطقة النبطية وحدها أربعة أقضية هي مرجعيون وحاصبيا وبنت جبيل والنبطية، إلى جانب صيدا والزهراني وجزين وصور ضمن جغرافية الجنوب، ومن هنا تأتي طبيعة أداء حزب الله في الميدان، إذ لا تقوم استراتيجيته، بحسب الجميل، على التمسك بالأرض تحت أي ظرف، وإنما على تبادل الجغرافيا مقابل تكبيد الطرف الآخر خسائر في الأرواح، مع الاستمرار في تنفيذ عمليات من الخارج.والسبب في ذلك، وفق القراءة العسكرية نفسها، أن المهاجم يملك الأفضلية عندما تبدأ إسرائيل بالتقدم، فيما يجد حزب الله نفسه في موقع أضعف أمام قوة تتقدم على الأرض، لذلك يحاول الحزب تحويل العمليات التي ينفذها خلال التقدم الإسرائيلي إلى مصدر قوته، بدلاً من الدخول في معركة هدفها الأساسي منع خسارة كل موقع جغرافي على حدة.هذه القاعدة تقود إلى السؤال الأكثر حساسية، هل البقاع الغربي أو البقاع الشمالي أمام معركة قريبة؟ الجميل يستبعد ذلك في الوقت الراهن، ويشير إلى أن الجيش الإسرائيلي يعتمد أسلوباً يقوم على مسح المنطقة ثم استكمال التقدم، وليس المناورات البعيدة التي تقوم على الالتفاف والحركة الواسعة، وهذا يظهر خصوصاً في البقاع الشمالي ومنطقة النبي شيت، حيث يفضّل الإسرائيلي، بحسب تقديره، إفراغ المناطق من العمران والسكان لتقليص فرص وجود بيئة حاضنة لحزب الله.أما البقاع الغربي، فالوصول إليه يحتاج إلى تجاوز عقبة أساسية تتمثل بمرتفعات إقليم التفاح، التي تشرف على المنطقة وتضم قرى شيعية بينها سحمر ويحمر وغيرها، ولذلك فإن أي تمدد إسرائيلي في هذا الاتجاه يحتاج إلى السيطرة على هذه المرتفعات أولاً، أو إيجاد مسار يسمح بالوصول إلى نقاط مشرفة عليها، وهنا تظهر مجموعة احتمالات عسكرية مختلفة.الاحتمال الأول يقوم على التقدم عبر إقليم التفاح للوصول إلى المرتفعات المشرفة على البقاع الغربي، بهدف عزله عن محيطه، وفي قلب هذا المسار تأتي تومات نيحا كإحدى النقاط الأساسية، غير أن الجميل لا يرى حالياً مؤشرات على توجه إسرائيلي لتنفيذ هذا الخيار، مع إبقاء السيناريو قائماً ضمن الحسابات في حال تغير القرار الميداني.وهناك احتمال آخر يرتبط بمنطقة النبطية، حيث أصبحت إسرائيل، وفق الجميل، مسيطرة تقريباً على غالبية المرتفعات المحيطة بها، وعلى الرغم من كون المنطقة عمرانية، فإن الوصول إليها يبقى أسهل من بعض الخيارات الأخرى، ولذلك يمكن أن تشكل النبطية نقطة انطلاق محتملة في حال اتجه القرار الإسرائيلي نحو توسيع التمدد البري.أما المسار الأكثر تفصيلاً فيبدأ من الخيام ودبين وبلاط، ثم الصعود باتجاه كفرحونة، وبعدها الاتجاه غرباً نحو الريحان وسجد، بالتوازي مع اتجاه نحو جزين وعين مجدلين، ومن هناك الوصول إلى تومات نيحا، المرتفع الذي يبلغ نحو ١٦٥٠ متراً، والذي يشرف على قرى البقاع الغربي ويطل على إقليم التفاح وجزين، كما يمنح موقعه إشرافاً على البقاع الغربي من الجهة الشرقية، ولذلك تكتسب السيطرة عليه أهمية كبيرة في أي تصور عسكري يقوم على الفصل أو التطويق.ويبقى المسار الثالث مرتبطاً بجهة الجولان، إذ يمكن، وفق الجميل، تصور تقدم نحو البقاع الغربي من هذه الجهة، والسيطرة على المناطق الشيعية الموجودة هناك، ثم الصعود باتجاه عين التينة ومشغرة، وصولاً إلى التلال التي تشرف على إقليم التفاح، إلا أن هذا الطريق يصطدم بانتشار حزب الله على الجبل وصولاً إلى السلسلة الشرقية، وهو عنصر يجعل أي تقدم إسرائيلي في هذا الاتجاه بالغ الصعوبة.وبالنسبة إلى النبي شيت والبقاع الشمالي، فإن الحسابات تصبح أكثر تعقيداً، فإسرائيل ستكون أمام مسافات كبيرة جداً يتعين عليها قطعها، فضلاً عن مناطق ليست بالضرورة بيئة حاضنة لحزب الله، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب الجميل، إلى ظهور حركات مقاومة أخرى، ومن هنا فإن الوصول إلى البقاع الشمالي عبر عملية قتال إسرائيلية يبقى مستبعداً جداً.الصورة التي تخرج من هذه القراءة لا تشبه خريطة هجوم جاهزة بقدر ما تكشف شبكة من الطرق والمرتفعات التي ينبغي على إسرائيل تجاوزها إذا قررت الانتقال من المراقبة والضربات إلى التقدم البري، فجبل الشيخ يمنح قيمة عسكرية واستخباراتية، لكنه ليس الوسيلة الوحيدة للرصد، والجنوب لا يزال مفتوحاً على احتمالات عدة، فيما يحتاج الطريق إلى البقاع الغربي إلى التعامل مع مرتفعات إقليم التفاح وتومات نيحا والطرق المتفرعة من الخيام وجزين والجهة المقابلة للجولان.ولهذا، فإن الكلام عن معركة إسرائيلية وشيكة في البقاع الغربي لا يستند، وفق تقدير الجميل، إلى مؤشرات ميدانية واضحة حتى الآن، وإنما إلى سيناريوهات يمكن رسمها على الخريطة، بعضها يبدأ من النبطية، وبعضها يمر عبر إقليم التفاح، وبعضها يأتي من جهة الجولان، في حين يبقى البقاع الشمالي، وخصوصاً النبي شيت، الخيار الأصعب أمام أي تقدم بري واسع، لتبقى قدرة إسرائيل على مراقبة البقاع أمراً، وقدرتها على خوض معركة طويلة للوصول إليه والسيطرة على مرتفعاته أمراً مختلفاً تماماً.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top