
العقرب – ديمقراطيا نيوز
إن جريمة قتل مسؤول في “تيار المستقبل”، إذا ثبتت مسؤولية أحد المنتمين إلى جماعة دينية أو سياسية بعينها، ليست حادثة يجوز اختزالها في فعل فردي عابر، ولا يجوز في المقابل أن تتحول إلى ذريعة للانتقام من جماعة أو مذهب بأكمله. بين هذين الحدّين تقف مسؤولية الدولة، ومسؤولية القوى السياسية، ومسؤولية العقلاء في حماية السلم الأهلي.
لقد عرف اللبنانيون، في مراحل سابقة، جماعات دينية ارتبط خطابها أو حضورها السياسي بأنظمة وقوى خارجية، واستُخدمت في الصراعات الداخلية أدواتٍ لتثبيت نفوذ سياسي وأمني. كما عرفت الساحة السنية محاولات لفرض قراءات متشددة للدين، وصلت في بعض مراحلها إلى تخطئة الآخرين والتشدد في الحكم عليهم، بما أضعف صورة الإسلام الوسطي وفتح أبواباً للفتنة والانقسام.
والخطر الحقيقي هنا ليس في الاسم، بل في منهج التفكير: حين يتحول الاختلاف في الرأي إلى خصومة دينية، وحين يصبح تكفير الآخر أو تخوينه مقدمة لاستباحة كرامته، وحين يُسمح لجماعة أن تضع نفسها فوق القانون أو أن تجعل الولاء التنظيمي مقدماً على الانتماء الوطني.
لبنان لا يحتمل هذه الثقافة. فتركيبته ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه، بل هي جوهر وجوده. وأي خطاب يدفع المسلمين إلى الشك ببعضهم، أو يضع طائفة في مواجهة طائفة، أو يجعل السياسة امتداداً للتكفير والتخويف، إنما يخدم مشروع تفكيك المجتمع مهما كان الشعار الذي يرفعه.
ومن هنا تأتي الحاجة اليوم إلى استعادة نهج الاعتدال السني: اعتدال لا يعني الضعف، وانفتاحاً لا يعني التنازل، وتسامحاً لا يعني السكوت عن الجريمة. الاعتدال هو أن تكون الدولة هي الحكم، والقانون هو المرجع، والعقيدة شأنها، والسياسة مجالها، والاختلاف حقاً لا يتحول إلى عداء.
لقد كان رفيق الحريري يدرك أن قوة لبنان لا تقوم على إلغاء أحد، بل على طمأنة الجميع. وهذه هي الروحية التي يحتاج إليها “تيار المستقبل” وكل من يؤمن بلبنان الدولة: حماية الحضور السني من التطرف، وحماية المسيحيين والأقليات من الخوف، وحماية المجتمع كله من لغة التحريض والانتقام.
إن الرد على أي جريمة سياسية لا يكون بإنتاج جريمة أخرى، ولا باستدعاء ذاكرة الثأر، بل بكشف الحقيقة ومحاسبة المرتكب ومن يقف خلفه، أياً كان اسمه أو موقعه أو انتماؤه.
فالاعتدال ليس حياداً أمام الخطر؛ إنه الطريقة الأذكى لمواجهته. والدولة القوية ليست التي تسمح للأصوات الأعلى أن تحكم، بل التي تجعل الجميع، من دون استثناء، تحت سقف القانون.
وفي لبنان، حيث دفعت البلاد ثمناً باهظاً من دم أبنائها بسبب تحويل الخلافات إلى صراعات وجودية، يبقى الدرس الأوضح: لا خلاص لجماعة عبر إلغاء جماعة أخرى، ولا مستقبل لطائفة عبر تخويف طائفة أخرى.
نريد عدالة بلا ثأر، وحزماً بلا تحريض، وديناً بلا تكفير، وسياسة بلا استقواء؛ نريد لبناناً يكون فيه الاعتدال قوة، والدولة ملاذاً، والاختلاف مساحةً للحياة لا سبباً للموت
