
بقلم ياسمين شعبان
لم يكن لبنان تفصيلاً منفصلاً في خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل حضر كجزء من مشهد إقليمي أوسع أراد من خلاله إعادة تثبيت صورة إسرائيل كقوة قادرة على التحرك في أكثر من جبهة في وقت واحد. وبين لبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران، برزت في الخطاب لغة القوة والقدرات العسكرية والاستخباراتية، مقابل حضور محدود لأي مقاربة دبلوماسية تتعلق بالجبهة اللبنانية.وفي قراءة لمضمون الخطاب، يعتبر المحلل السياسي والاستراتيجي مارسيل بالوكجي، في حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، أن الرسائل التي وجّهها نتنياهو إلى لبنان لا يمكن فصلها عن المواجهة الإقليمية مع إيران، مشيراً إلى أن لبنان لا يُنظر إليه إسرائيلياً كجبهة قائمة بذاتها، بل كجزء من الجبهات المرتبطة بالنفوذ الإيراني في المنطقة.ويرى بالوكجي أن حديث نتنياهو عن “الجبهات السبع” يضع التطورات في لبنان ضمن مسار يمتد من سوريا والعراق وصولاً إلى اليمن وإيران، ما يعني أن قراءة مستقبل الجبهة اللبنانية يجب أن تنطلق من المشهد الإقليمي الأشمل، وليس فقط من التطورات الداخلية أو الحدودية في الجنوب.وفي هذا السياق، يتوقف بالوكجي عند تركيز نتنياهو على عملية أجهزة البايجر، معتبراً أن إبرازها من على منبر الأمم المتحدة حمل رسالة واضحة حول القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية. فنتنياهو، وفق قراءته، أراد إظهار قدرة إسرائيل على الوصول إلى خصومها بوسائل أمنية واستخباراتية دقيقة، واستخدام هذه القدرة كأداة ردع تتجاوز حزب الله لتصل رسالتها بشكل أساسي إلى إيران.لكن الرسالة لم تكن خارجية فقط. فبالوكجي يرى أن استعراض نتنياهو للقدرات والعمليات الإسرائيلية يخدم أيضاً الداخل الإسرائيلي، حيث يسعى إلى استثمار الإنجازات العسكرية والأمنية سياسياً وانتخابياً، عبر تقديم نفسه كقائد استطاع إظهار تفوق إسرائيل وقدرتها على العمل في ساحات متعددة.وفي المقابل، يلفت بالوكجي إلى ما غاب عن الخطاب بقدر ما يلفت إلى ما ورد فيه، إذ لم يعطِ نتنياهو مساحة تُذكر للدبلوماسية أو لمسار المفاوضات مع لبنان، ولم يقدم تصوراً سياسياً واضحاً حول ما يمكن أن تؤمّنه المفاوضات للبنان أو حول معالجة الملفات العالقة.ويعتبر أن هذا الغياب يكتسب أهمية خاصة في ظل ملف حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية والتطورات في الجنوب، إذ بدا أن المقاربة الإسرائيلية التي عرضها نتنياهو لا تزال ترتكز بدرجة أساسية على الردع بالقوة والتفوق الاستخباراتي والعسكري، أكثر من تركيزها على تسوية سياسية منفصلة تخص لبنان.أما في الملف الإيراني، فيرى بالوكجي أن نتنياهو حاول تثبيت نتائج المواجهة مع طهران وتقديم استهداف البرنامج النووي الإيراني كدليل إضافي على قدرة إسرائيل على الانتقال من التهديد إلى التنفيذ. وبحسب قراءته، فإن حديث نتنياهو عن سهولة اتخاذ قرار ضرب المنشآت النووية حمل رسالة بأن إسرائيل تريد إبقاء الخيار العسكري حاضراً في تعاملها مع إيران، بالتوازي مع التشديد على متانة التحالف مع الولايات المتحدة.ومن هنا، يربط بالوكجي بين الملف الإيراني والجبهات الأخرى التي تحدث عنها نتنياهو، معتبراً أن الخطاب قدّم تصوراً لصراع إقليمي مترابط، تلعب فيه الساحات المختلفة أدواراً متصلة بالمواجهة الأساسية مع طهران ونفوذها في المنطقة.وعن انسحاب عدد من الوفود من قاعة الجمعية العامة بالتزامن مع كلمة نتنياهو، يرى بالوكجي أن الخطوة تحمل بالتأكيد دلالة سياسية ودبلوماسية وتعكس استمرار وجود معارضة دولية للسياسات الإسرائيلية، إلا أنه يحذّر من تحميلها أكثر مما تحتمل.فبرأيه، لا يعني خروج الوفود أن تحولاً جذرياً طرأ على موازين القوى أو أن القرارات الدولية تجاه إسرائيل تغيرت، بل يشكل في المقام الأول تعبيراً دبلوماسياً عن الاعتراض. وبالتالي، يبقى الفارق كبيراً بين مشهد الاحتجاج داخل قاعة الأمم المتحدة وبين حدوث تحول فعلي في مواقف القوى المؤثرة أو في التوازنات التي تحكم المنطقة.وبذلك، يقرأ بالوكجي خطاب نتنياهو باعتباره رسالة قوة وردع أكثر منه عرضاً لمسارات سياسية جديدة: إيران في قلب المواجهة، والجبهات المحيطة بها مترابطة، ولبنان جزء من هذه المعادلة الإقليمية، فيما تبقى الدبلوماسية، أقله وفق ما أظهره الخطاب، في مرتبة متأخرة أمام لغة القوة والأمن والاستخبارات.
