
بقلم إحسان الطبش
في ظل التحركات السياسية والدبلوماسية المتسارعة حول لبنان، تترابط اليوم مجموعة من الملفات، من زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الولايات المتحدة ولقاءاته الأخيرة، إلى مستقبل الجنوب والمفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، ومصير الوجود الدولي بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، وصولاً إلى الانتخابات الأميركية والإسرائيلية وانعكاساتها المحتملة على المسار اللبناني. وبينما يسعى لبنان إلى تثبيت موقفه بشأن الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش، وحصر السلاح بيد الدولة، وعودة سكان الجنوب، وإطلاق إعادة الإعمار، يبقى السؤال الأساسي مرتبطاً بمدى قدرة المسار السياسي القائم على الانتقال من طرح المواقف إلى خطوات تنفيذية متبادلة.وفي قراءة لهذا المشهد، يرى الباحث والمحلل السياسي خلدون الشريف أن لبنان استطاع إيصال موقفه بوضوح، لكن المشكلة لم تعد، برأيه، في إيصال الموقف بعدما تكرر عشرات المرات، بل في القدرة على تحويله إلى مسار تنفيذي متوازن. ويشير إلى أن رئيس الحكومة نواف سلام حمل معه إلى نيويورك مجموعة مترابطة من الملفات، تشمل الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش، وحصر السلاح بيد الدولة، ومستقبل الوجود الدولي بعد اليونيفيل، وعودة سكان الجنوب وإعادة الإعمار، معتبراً أن هذا الترابط مهم لأن أياً من هذه الملفات لا يمكن معالجته منفرداً. وفي المقابل، يرى أن “القبضة الأكثر ارتخاءً” في هذه الملفات كلها هي قبضة الحكومة اللبنانية.ويعتبر الشريف أن المشكلة ليست في أن واشنطن لا تعرف ما يريده لبنان، فهي تعرف ذلك، وإنما في قدرة الولايات المتحدة على دفع إسرائيل إلى احترام الاتفاق الموقع، وفي ما إذا كانت المفاوضات ستنتج تلازماً حقيقياً بين ما هو مطلوب من لبنان وما هو مطلوب من إسرائيل، أي بين بسط سلطة الدولة وحصر السلاح من جهة، والانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وعودة السكان وإطلاق الإعمار من جهة أخرى.أما في ما يتعلق بطريقة تعاطي الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع رئيس الحكومة نواف سلام، ولا سيما عدم ورود اسم لبنان في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فلا يميل الشريف إلى تحميل هذا الأمر أكثر مما يحتمل. ويوضح أن ترامب لم يعقد، بحسب ما أُعلن، لقاءً ثنائياً مستقلاً مع سلام، بل شارك رئيس الحكومة اللبنانية في الاجتماع المتعدد الأطراف الذي دعا إليه ترامب وضم دول مجلس التعاون ودولاً عربية وإسلامية أخرى. كما يرى أن خطاب ترامب أمام الجمعية العامة كان منصباً على ملفات أكبر في حساباته المباشرة، بينها إيران وغزة وأوكرانيا والأمم المتحدة والسياسة الداخلية الأميركية، مشيراً إلى أن لبنان لا يرد في النص المنشور للخطاب.ويشدد الشريف على ضرورة التمييز بين موقع لبنان في خطاب الرئيس الأميركي وموقعه في السياسة الأميركية. فواشنطن، بحسب قراءته، هي التي رعت ووقعت “الإطار الثلاثي” في 26 حزيران، كما ترعى المفاوضات المباشرة وآلية التنسيق العسكري. لذلك لا يقرأ غياب لبنان عن خطاب ترامب باعتباره تخلياً أميركياً عن الملف، وإنما مؤشراً إلى أن لبنان ليس اليوم الملف الأول على طاولة الرئيس الأميركي.وفي ملف اليونيفيل، ينطلق الشريف من واقع جديد يتمثل في قرار مجلس الأمن أن يكون التمديد الحالي هو الأخير للقوة حتى 31 كانون الأول 2026، على أن يبدأ بعدها الانسحاب المنظم خلال عام 2027. ومن هنا، يرى أن النقاش اللبناني يجب ألا يبقى محصوراً بسؤال كيفية تمديد اليونيفيل، بل ينتقل إلى سؤال آخر: ماذا نريد بعد اليونيفيل؟ويعتبر الشريف أن لبنان يحتاج إلى الجيش أولاً، لكن الجيش يحتاج بدوره إلى دعم مالي ولوجستي وتقني طويل الأمد، فيما يحتاج الجنوب، خلال مرحلة انتقالية، إلى عنصر دولي يساعد في المراقبة والتحقق ومنع الاحتكاك. ويطرح في هذا السياق إمكان التفكير بصيغة مختلفة عن اليونيفيل التقليدية، سواء من خلال بعثة مراقبة أصغر وأكثر تخصصاً، أو قوة متعددة الجنسيات بمشاركة أوروبية، أو آلية دولية مرتبطة بالتحقق من الانسحاب وانتشار الجيش وتنفيذ الترتيبات الأمنية.ويشدد على أن المهم هو ألا ينتقل لبنان من وجود دولي كبير إلى فراغ، وفي الوقت نفسه أن يكون الهدف النهائي واضحاً، وهو أن يكون الجيش اللبناني صاحب الأرض والمسؤولية الأمنية، فيما تساعد القوة الدولية الدولة ولا تحل محلها.أما بالنسبة إلى “الإطار الثلاثي”، فيرى الشريف أن المسار تجاوز مرحلة إعلان المبادئ. ويوضح أن الإطار الموقع في 26 حزيران يقوم على انتشار الجيش اللبناني، وحصر السلاح وتفكيك البنى العسكرية غير التابعة للدولة، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وآليات للتحقق والتنسيق، كما أنشأ “مجموعة التنسيق العسكري من أجل لبنان” MCG4L.ويشير إلى أن تجربة المناطق النموذجية في فرون وصريفا وزوطر الغربية بدأت في تموز، موضحاً أن هذه القرى لم تكن محتلة، ولو أن إسرائيل كانت تسيطر عليها بالنار. لكن المشكلة، بحسب قراءته، ظهرت عند الانتقال من التجربة إلى التعميم، إذ تريد إسرائيل التحقق من التنفيذ قبل الانتقال إلى مناطق إضافية، فيما يتمسك لبنان بأن الجيش لا يستطيع ممارسة سيادة كاملة في مناطق لا تزال إسرائيل موجودة فيها. ويضيف أن جولة روما التي كانت مقررة في أيلول تأجلت إلى تشرين الأول مبدئياً، وقد تتأجل لما بعد الانتخابات الإسرائيلية.ويرى الشريف أن لبنان تجاوز مرحلة المبادئ، لكنه لم يتحول بعد إلى مسار تنفيذي جدي ومستقر.وفي ما يتعلق بالمعلومات المتداولة عن اجتماع عسكري لبناني-إسرائيلي مرتقب بين 20 و22 تشرين الأول في فلوريدا، يقول الشريف إنه لا علم لديه باجتماع بهذا الموعد تحديداً، لكنه يشير إلى أن أصل المعلومة بشأن التحضير لاجتماع عسكري في مقر القيادة المركزية الأميركية في تامبا بفلوريدا سبق أن تداولته مصادر إعلامية، كما أن مجموعة التنسيق العسكري نفسها منصوص عليها في الاتفاق وتعمل فعلياً.ويعتبر أن أهمية أي اجتماع من هذا النوع ستكون في مضمونه لا في مكان انعقاده. فالانتقال الحقيقي، بحسب الشريف، يبدأ عندما يصبح هناك على الخرائط جدول متبادل وقابل للتحقق، يحدد من أين تنسحب إسرائيل، ومتى يدخل الجيش اللبناني، وما المقصود بالتحقق من خلو المنطقة من السلاح غير الشرعي، ومن الجهة التي تقوم بالتحقق، وما الذي يحصل في حال اختلف الطرفان حول التنفيذ. وبرأيه، قد تبدو هذه التفاصيل التقنية أقل إثارة من الاجتماعات السياسية، لكنها في الحقيقة هي التي تحدد ما إذا كان الاتفاق قابلاً للحياة.وعن مسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، يحدد الشريف العقدة الأساسية في “التزامن”. ويقول إن إسرائيل تقول عملياً: “تحققوا من نزع السلاح ومن سيطرة الجيش ثم ننسحب”، فيما يقول لبنان: “انسحبوا كي يستطيع الجيش الانتشار وممارسة السيادة”، مشيراً إلى أن الإطار نفسه يقوم على عملية متبادلة ومتدرجة ومشروطة.ويحذر من الوصول إلى معادلة يستحيل تنفيذها، إذ لا يمكن، بحسب رأيه، مطالبة الجيش ببسط سلطة الدولة كاملة على أرض تحتلها إسرائيل، كما لا يمكن في المقابل بناء تسوية مستدامة إذا بقي قرار الحرب والسلاح خارج الدولة. لذلك يرى أن المخرج يكمن في التزامن المرحلي، عبر انسحاب إسرائيلي محدد ومثبت يقابله انتشار فوري للجيش، ثم تحقق دولي أو أميركي متفق عليه، قبل الانتقال إلى المنطقة التالية، في صيغة تقوم على “خطوة مقابل خطوة، لا وعود مقابل وعود”.وفي ما يتعلق بالانتخابات الأميركية، يلفت الشريف إلى ضرورة الانتباه إلى أنها انتخابات نصفية في 3 تشرين الثاني وليست انتخابات رئاسية. وبالتالي، لن يتغير الرئيس أو الإدارة مباشرة، لكن موازين القوى في الكونغرس قد تتغير، بما يؤثر في قدرة الإدارة على التمويل، وفي الرقابة السياسية، وفي المناخ الداخلي المحيط بالسياسة الخارجية.ولا يعتقد الشريف أن لبنان سيكون قضية انتخابية أميركية بحد ذاته، لكنه يعتبر أن لبنان جزء من لوحة أكبر تشمل إيران وإسرائيل وأمن المنطقة، وهي ملفات حاضرة بقوة في السياسة الأميركية الحالية.أما الانتخابات الإسرائيلية، فيعتبر الشريف أنها “أقرب وأكثر اتصالاً” بالملف اللبناني، كونها مقررة في 27 تشرين الأول. ومن الطبيعي، بحسب رأيه، أن يصبح أي قرار يتعلق بالانسحاب أو الأمن أو الحدود أكثر حساسية في الأسابيع السابقة للانتخابات. لكنه يشدد على أنه لا ينبغي للبنان أن يبني استراتيجيته على هوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة، بل المطلوب تحويل الالتزامات إلى ترتيبات مكتوبة ومحددة ومضمونة أميركياً ودولياً قدر الإمكان.ويضيف أن الحكومات تتغير، فيما تبقى الجغرافيا، معتبراً أن هناك مصلحة لبنانية دائمة في حدود مستقرة، وانسحاب إسرائيلي كامل، وسيادة لبنانية كاملة على أرض لبنان.وفي قراءة شاملة للمشهد، يصف الشريف لبنان بأنه في “منطقة انتقالية دقيقة”، مشيراً إلى أنه للمرة الأولى منذ سنوات طويلة توجد مجموعة عناصر على الطاولة في الوقت نفسه: مفاوضات مباشرة، وإطار مكتوب، وآلية عسكرية، وجيش لبناني مطلوب منه أن يتولى المسؤولية، ونقاش جدي حول حصرية السلاح، وانسحاب إسرائيلي مطروح للتفاوض، ونقاش دولي حول اليوم التالي لليونيفيل.لكن وجود هذه العناصر، بحسب الشريف، لا يعني أن الحل تحقق. ويرى أن الانتقال من إدارة الأزمة إلى حل قابل للاستمرار يحتاج إلى معادلة واضحة تقوم على انسحاب إسرائيلي كامل ومتدرج وفق جدول محدد، وانتشار متزامن للجيش اللبناني، وحصر فعلي للسلاح بيد الدولة، وآلية دولية موثوقة للتحقق، ودعم طويل الأمد للجيش، وعودة السكان، وإطلاق إعادة الإعمار بالتوازي مع التقدم الأمني وليس بعد انتهائه.ويضيف الشريف أن نقطة أساسية يجب ألا تغيب، وهي أن المطلوب لا يمكن أن يكون تنفيذ لبنان لالتزاماته منفرداً ثم انتظار الطرف الآخر، بل يجب أن يكون التنفيذ متبادلاً ومتزامناً وقابلاً للقياس. وبرأيه، إذا نجح هذا المسار، يكون لبنان قد انتقل من وقف حرب إلى بناء استقرار، أما إذا بقي كل طرف ينتظر أن ينفذ الطرف الآخر أولاً، فسيبقى البلد في دائرة إدارة الأزمة إلى أن تنفجر من جديد.
