أكتوبر الوردي… حين يزهر الأمل رغم الألم

بقلم إحسان الطبش

ليست كل المعارك مرئية، فبعضها تخوضه النساء بصمت، بين الخوف والأمل، وبين الرغبة في مواصلة الحياة والقلق مما قد تحمله الأيام. وسرطان الثدي ليس مجرد تشخيص طبي، بل تجربة قد تغيّر تفاصيل حياة المرأة ونظرتها إلى نفسها وإلى العالم من حولها. ومع حلول أكتوبر الوردي، تتجدد أهمية التوعية بالمرض، وكسر حاجز الخوف، وتذكير كل امرأة بأن صحتها تستحق الاهتمام والرعاية.

وبحسب تقديرات الوكالة الدولية لبحوث السرطان لعام 2022، سُجّلت 2161 إصابة جديدة بسرطان الثدي بين النساء في لبنان، ما يشكّل نحو 33.6% من إجمالي حالات السرطان الجديدة المسجّلة بين النساء خلال ذلك العام، ليكون المرض الأكثر شيوعاً بينهن. وتعكس هذه الأرقام حجم انتشاره، وأهمية تعزيز الوعي وتسهيل الوصول إلى خدمات الكشف والتشخيص والعلاج.

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يحدث سرطان الثدي عندما تبدأ خلايا غير طبيعية في أنسجة الثدي بالنمو والانقسام بصورة غير طبيعية، ما قد يؤدي إلى تكوّن ورم قادر على الانتشار إلى أجزاء أخرى من الجسم. وتختلف طبيعة المرض من امرأة إلى أخرى بحسب نوع السرطان ومرحلة اكتشافه، ما يجعل التشخيص الدقيق ضرورياً لتحديد العلاج المناسب، فيما يُعدّ اكتشافه في مراحله المبكرة عاملاً مهماً في تحسين فرص نجاح العلاج.

وقد لا يسبّب سرطان الثدي ألماً أو أعراضاً واضحة في مراحله المبكرة، إلا أن بعض التغيّرات تستدعي الانتباه، أبرزها ظهور كتلة جديدة أو سماكة غير مألوفة في الثدي أو تحت الإبط، أو تغيّر حجمه أو شكله، إضافة إلى احمرار الجلد أو تثخّنه أو ظهور انبعاجات فيه، وتغيّر شكل الحلمة أو خروج إفرازات غير طبيعية منها، ولا سيما إذا كانت ممزوجة بالدم. ورغم أن هذه العلامات قد تنتج عن حالات غير سرطانية، فإن ملاحظتها تستدعي مراجعة الطبيب، إذ لا يمكن تأكيد الإصابة أو نفيها بالاعتماد على الأعراض وحدها.

ويشكّل الكشف المبكر خطوة أساسية، إذ يساعد على اكتشاف المرض قبل تقدّمه، ويتيح البدء بالعلاج في الوقت المناسب. ويشمل ذلك الانتباه إلى التغيّرات ومراجعة الطبيب عند ملاحظتها، إلى جانب إجراء الفحوصات المناسبة، ومنها التصوير الشعاعي للثدي “الماموغرام”، وفق العمر والتاريخ الصحي ومستوى الخطورة. ولا يوجد موعد واحد للفحص يناسب جميع النساء، لذلك من الضروري استشارة الطبيب لتحديد الفحوصات وتوقيتها، وعدم الاعتماد على الفحص الذاتي وحده.

وتتعدد العوامل التي قد تزيد خطر الإصابة، ومنها التقدّم في العمر، والتاريخ العائلي، وبعض التغيّرات الجينية الموروثة، إلى جانب السمنة، وقلة النشاط البدني، واستهلاك الكحول، والتعرّض السابق للإشعاع، وبعض العوامل الهرمونية والإنجابية. لكن وجود عامل أو أكثر لا يعني حتمية الإصابة، كما أن غياب التاريخ العائلي لا يلغي احتمال حدوثها؛ إذ تُصاب نساء كثيرات بالمرض من دون عوامل خطورة واضحة. ويساعد فهم هذه العوامل على مناقشة مستوى الخطورة والفحوصات المناسبة مع الطبيب، من دون لوم المرأة أو تحميلها مسؤولية إصابتها.

ولا تقتصر رحلة المرض على التشخيص والعلاج، بل تشمل أيضاً جوانب نفسية واجتماعية قد تؤثر في حياة المرأة وعلاقاتها. فقد يرافق التشخيص شعور بالخوف والقلق، إلى جانب تغيّرات جسدية ونفسية تجعل دعم العائلة والمحيط القريب أمراً مهماً. وبحسب دراسة نوعية نُشرت عام 2022 في مجلة “Frontiers in Psychology”، وشملت 20 امرأة ناجية من سرطان الثدي في لبنان، شكّل دعم العائلة والمعتقدات الدينية مصدرين أساسيين للمساندة، فيما برزت صورة الجسد والأطفال ومستقبلهم كأبرز الهواجس لدى المشاركات. ورغم محدودية عيّنة الدراسة، فإن نتائجها تبرز أهمية مراعاة الاحتياجات النفسية والاجتماعية للمرأة خلال العلاج والتعافي.

إلى كل امرأة تخوض رحلة سرطان الثدي، تذكّري أنكِ لستِ وحدكِ، وأن المرض لا يختصر هويتكِ ولا يقلّل من قوتكِ. قد تحمل الرحلة الخوف والتعب والقلق، لكن من حقكِ أن تجدي الدعم والرعاية، وأن تعبّري عن مشاعركِ من دون تردّد. كوني لطيفة مع نفسكِ، وامنحيها الوقت والاهتمام اللذين تحتاج إليهما، ولا تتردّدي في طلب المساندة من أحبّائكِ والفريق الطبي. فأنتِ أكثر من تشخيص، وتستحقين الأمل والحياة والرعاية في كل مرحلة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top