فؤاد مخزومي وأبناء الجنوب:المساعدات حقّ وسيادة الدولة ضمانة للجميع

العقرب

في خضمّ النقاش الدائر حول موقف النائب فؤاد مخزومي من المساعدات التي يقدّمها “حزب الله” إلى أبناء الجنوب، برزت محاولات لتصوير موقفه وكأنه اعتراض على وصول المساعدات إلى الجنوبيين، أو دعوة إلى عرقلة تقديم الدعم لهم في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها. غير أنّ هذا التفسير لا يعكس جوهر موقف مخزومي، بل يخلط بين مسألتين مختلفتين تماماً: حقّ الجنوبيين في الحصول على المساعدات، وحقّ الدولة اللبنانية في معرفة مصادر الأموال وآليات توزيعها، بما يحمي لبنان من المخاطر والعقوبات الدولية.

فمخزومي، الذي طالب عبر حسابه على منصة «إكس» بمتابعة الدولة لملف المساعدات ومعرفة مصادر تمويلها وآليات تحويلها، يضع المسألة في إطار أوسع يتصل بمفهوم السيادة وبقدرة المؤسسات الرسمية على بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، بعيداً عن منطق الدولة داخل الدولة.

ومن هذا المنطلق، فإن المطالبة بالشفافية والرقابة الرسمية لا تعني رفض المساعدات، ولا يجوز تحويلها إلى اتهام باستهداف أبناء الجنوب أو التضييق عليهم. فهناك فارق جوهري بين الاعتراض على حرمان المواطنين من حقوقهم، وبين المطالبة بأن تتم المساعدات ضمن آليات واضحة تحمي المستفيدين والدولة معاً، وتضمن عدم تعريض لبنان لأي تبعات مالية أو سياسية أو قانونية محتملة.

بعيداً عن السجالات السياسية ومحاولات تأويل المواقف، تبقى الوقائع الميدانية معياراً أساسياً للحكم. فقد سبق لمؤسسة مخزومي أن قدّمت مساعدات إلى أبناء الجنوب، في إطار جهودها الإنسانية والإغاثية، من دون تمييز طائفي أو مذهبي، انطلاقاً من مبدأ أن اللبنانيين متساوون في الحقوق، وأن معاناة أي منطقة لبنانية تستدعي التضامن معها، لا تحويلها إلى مادة إضافية للانقسام.

وهنا تبرز أهمية الفصل بين الخلاف السياسي حول دور “حزب الله” ومفهوم السيادة، وبين العلاقة مع المواطنين الذين لا يجوز تحميلهم تبعات هذا الخلاف أو وضعهم في مواجهة مع أي شخصية سياسية بسبب موقفها من سلاح الحزب أو مصادر تمويله.

فأبناء الجنوب ليسوا خصماً لمخزومي، كما أن مطالبة الدولة بممارسة مسؤولياتها لا تعني الوقوف في وجههم. بل إن الدفاع عن حقوقهم الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية يجب أن يكون جزءاً من مشروع وطني يتجاوز الحسابات الضيقة، ويضع المواطن في صلب الأولويات.

إن تصوير موقف مخزومي على أنه استهداف للجنوبيين قد يؤدي إلى خلق انطباعات خاطئة، وإلى نقل النقاش من جوهره المتعلق بمسؤولية الدولة إلى مواجهة غير مبرّرة بين اللبنانيين. وهي مواجهة لا تخدم أبناء الجنوب، ولا تعالج أزماتهم، ولا تحمي لبنان من المخاطر التي يثيرها غياب الرقابة والمرجعية الرسمية الواحدة.

فالجنوبيون جزء أصيل من النسيج الوطني اللبناني، ولهم كامل الحق في المساعدات والرعاية والإنماء، كما لهم الحق في دولة تحميهم وتؤمّن لهم الاستقرار والفرص والعيش الكريم. وهذه الحقوق ليست موضع مساومة، ولا ينبغي أن تتحوّل إلى ساحة للتجاذب السياسي.

وفي المقابل، فإن بناء دولة قادرة وعادلة يقتضي أن تكون المؤسسات الرسمية المرجعية في إدارة الشأن العام، وأن تخضع حركة الأموال والمساعدات للقوانين والضوابط التي تحمي المصلحة الوطنية، من دون أن يكون المواطن البسيط ضحية لأي خلاف سياسي أو مالي.

في المحصلة، لا يقوم موقف فؤاد مخزومي، وفق هذا الطرح، على المفاضلة بين اللبنانيين أو التمييز بين منطقة وأخرى، بل على معادلة واضحة: لا يجوز أن تكون سيادة الدولة على حساب حقوق المواطنين، كما لا يجوز أن تُستخدم حقوق المواطنين لتبرير تجاوز الدولة ومؤسساتها.

ومن هنا، فإن أي محاولة لدفع الأمور نحو صدام بين مخزومي وأبناء الجنوب، أو لتصوير المطالبة برقابة الدولة على المساعدات وكأنها عداء للجنوبيين، لن تغيّر جوهر القضية، بل ستُبقي اللبنانيين أسرى الانقسامات نفسها التي أضعفت دولتهم وأرهقت مجتمعهم.

فالجنوب يستحق الدعم، وأهله يستحقون التضامن، ولبنان يستحق دولة تحمي الجميع من دون استثناء. وهذه المعادلة لا تتحقق بتكريس الانقسامات أو تكريس واقع الدولة داخل الدولة، بل ببناء وطن واحد، تحت سلطة دولة واحدة، وجيش واحد، واقتصاد واحد، وقانون واحد يسري على الجميع.

فالدفاع عن سيادة لبنان لا يتناقض مع الدفاع عن أبنائه، ومساعدة الجنوبيين ليست نقيضاً لدولة المؤسسات؛ بل إن الدولة القوية والعادلة هي الضمانة الحقيقية لحقوقهم وحقوق كل اللبنانيين.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top