حين تصبح الحريرية سلّمًا للمتسلقين..!

العقرب

ليست الحريرية بطاقة عبور إلى مواقع النفوذ، ولا عباءةً يستعيرها الطامحون إلى الظهور كي يكتسبوا بها مكانةً لم تصنعها مواقفهم، ولا اسمًا يُستثمر عند الحاجة ثم يُطوى حين تتبدّل المصالح. الحريرية، في جوهرها، مدرسة أخلاق قبل أن تكون مسارًا سياسيًا؛ قوامها الوفاء، وشرف الموقف، وصيانة العِشرة، والإيمان بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يقتنصه من المواقع، بل بما يحفظه من العهود.

وما أكثر الذين يقتربون من المشاريع الكبيرة لا حبًّا برسالتها، بل طمعًا بما تتيحه من فرص. يتقدّمون حين تكون الأضواء ساطعة، ويتصدّرون حين يكون للاسم رنين، ويتحدثون بلغة الانتماء ما دامت تمنحهم أسباب البروز. فإذا دارت الأيام، وتغيّرت موازين المصالح، انكشفت المسافة بين من حمل الفكرة إيمانًا، ومن حملها سلّمًا يصعد عليه إلى حيث يريد.

إن أخطر ما يصيب أي مدرسة سياسية ليس أن يختلف معها الآخرون، بل أن يتسلّل إلى صفوفها من يتخذ قيمها ستارًا، وشعاراتها وسيلة، وذاكرتها رصيدًا شخصيًا يستثمره كلما احتاج إلى ترميم صورته أو تجديد حضوره.

أما الوفاء، فليس خطابًا يُلقى أمام الجمهور، ولا مديحًا يُقال في حضرة الأقوياء، ولا روايةً تتبدّل فصولها بتبدّل أصحاب القرار. الوفاء امتحان صامت، تظهر حقيقته حين يغيب المقابل، وحين يصبح حفظ العهد أثقل من جني المنفعة، وحين يُطلب من الإنسان أن يكون وفيًّا لما آمن به، لا لما يستطيع أن يحصل عليه.

والكذب، مهما تنوّعت أقنعته، يظلّ عاجزًا عن بناء الثقة. قد يفتح لصاحبه بابًا عابرًا، وقد يمنحه لحظةً من التصفيق، لكنه لا يصنع تاريخًا ولا يؤسّس احترامًا. فالثقة لا تُنتزع بكثرة الكلام، بل تُبنى بتطابق القول والفعل، وتنهار كلما اتّسعت الهوّة بين ما يُعلَن وما يُمارَس.

أما النبل الحريري، فلا يُقاس بمدى القرب من الرجال، ولا بكثرة الصور في مجالسهم، ولا بالقدرة على ترديد مفردات مدرستهم. إنما يُقاس بالقدرة على صون كرامة الناس، والوفاء لمن منحونا ثقتهم، والتمسّك بالأصول حين تصبح المصلحة في التخلّي عنها. تلك هي الفوارق التي لا تمحوها المناصب، ولا تسترها البلاغة، ولا تعالجها حملات الظهور.

لقد علّمتنا تجربة الرئيس الشهيد رفيق الحريري أن بناء المكانة الحقيقية يحتاج إلى رؤية وعمل وتضحيات، وأن الرجال الكبار لا يُختصرون في الأسماء التي تحيط بهم، بل في القيم التي يتركونها بعد رحيلهم. ومن ينتسب إلى هذه التجربة يتحمّل مسؤولية أخلاقية مضاعفة: أن يكون جديرًا بما يدّعي حمله، لا أن يجعل إرثها وسيلةً لتضخيم ذاته.

وليس المطلوب من أحد أن يكون نسخةً عن أحد، ولا أن يتفق الجميع في السياسة والاجتهاد؛ فالاختلاف حق، والنقد ضرورة، وتباين المواقف من طبيعة العمل العام. لكن ثمة فارقًا جوهريًا بين اختلافٍ تحفظه الكرامة، وخلافٍ تُنتهك فيه العهود؛ وبين طموحٍ مشروع يصنع صاحبه مكانته بجهده، وتسلّقٍ يستمدّ ارتفاعه من أكتاف الآخرين ثم يتنكّر للطريق الذي أوصله.

في نهاية المطاف، لا يبقى من الإنسان مقدار ما ظهر، بل حقيقة ما كان؛ ولا تحفظ الذاكرة لمن أحسن استثمار الأسماء، بل لمن أحسن صيانة الأمانة. فالأسماء الكبيرة لا تمنح أصحابها نبلًا مستعارًا، والتاريخ لا يخلط طويلًا بين من خدم الفكرة ومن استخدمها، وبين من حمل الوفاء مبدأً ومن جعله خطابًا للاستهلاك.

فالحريرية ليست مَنبرًا يصعد عليه المتسلّقون، بل أمانةٌ تُختبر عند تقلّب الأيام. ومن أراد أن ينتسب إلى نبلها، فليُثبت ذلك في سلوكه قبل كلامه، وفي وفائه قبل ادّعائه، وفي صدقه حين لا تكون للحقيقة مصلحة. أما الذين يجعلون من المبادئ سلالم لمصالحهم، فقد يبلغون القمّة لبعض الوقت، لكنهم لا يستطيعون أن يجعلوا من التسلّق مجدًا، ولا من الادّعاء تاريخًا، ولا من الخذلان وفاءً.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top