
بقلم شادي هيلانة
تتزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة في جنوب لبنان مع تصاعد التهديدات الإسرائيلية بفرض وقائع ميدانية جديدة، في حال قرر حزب الله الانخراط في أي حرب محتملة إلى جانب إيران، وفي وقت تتحدث فيه القيادة الإسرائيلية عن خيارات تتجاوز نطاق العمليات العسكرية المحدودة، تبرز النبطية ومحيط نهر الليطاني ومدينة صور ضمن المناطق التي قد تواجه تحولات أمنية وجغرافية بالغة الخطورة، فيما يبقى مصير الضاحية الجنوبية لبيروت مرتبطاً إلى حد كبير بمسار المواجهة وطبيعة القرار الذي سيتخذه الحزب.
وتكتسب هذه التهديدات أهمية إضافية مع انتقال الخطاب الإسرائيلي من التحذير من التدخل في أي مواجهة إقليمية إلى التلويح بتوسيع نطاق السيطرة على الأراضي اللبنانية، بما يضع الدولة اللبنانية أمام احتمالات تتجاوز الأضرار العسكرية المباشرة، وصولاً إلى تداعيات تمس السكان والبنية الجغرافية للجنوب ومستقبل الاستقرار في البلاد.
وفي هذا الإطار، حذّر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من أن مشاركة حزب الله في أي هجوم إيراني على إسرائيل ستقابل برد قاسٍ، ملوحاً بإمكانية فقدان الحزب مزيداً من الأراضي، كما تحدث عن ضم النبطية ومنطقة الليطاني إلى نطاق أمني إسرائيلي، متوعداً بإخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت في حال انضمام الحزب إلى المواجهة، مع الحديث عن إجلاء السكان الشيعة باتجاه الشمال وصولاً إلى خط الأول والزهراني، وتحمل هذه التصريحات، في حال ترجمتها إلى خطوات ميدانية، احتمالات تصعيد واسع يتجاوز استهداف المواقع العسكرية إلى إحداث تغييرات في السيطرة على الأرض وحركة السكان.
وفي قراءة للموقف الأميركي المحتمل من أي مواجهة مقبلة، قال مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأدنى دايفيد شينكر، لموقع “ديمقراطيا نيوز” إن مشاركة حزب الله في الحرب إذا تعرضت إيران لضربة إسرائيلية قد تضع لبنان أمام مرحلة مختلفة عن المواجهات السابقة، بالتالي قد لا تتحرك واشنطن هذه المرة للضغط على إسرائيل من أجل الحد من عملياتها أو وقفها، حتى إذا وصلت الضربات إلى الضاحية الجنوبية لبيروت كما حصل في مراحل سابقة.
ويشير شينكر إلى أن انعكاسات قرار المشاركة لن تبقى بالضرورة محصورة بحزب الله، إذ قد تمتد إلى مؤسسات الدولة اللبنانية ومصالحها ومناطق واسعة من البلاد، فالولايات المتحدة سبق أن مارست ضغوطاً على إسرائيل لمصلحة الدولة اللبنانية، وساندت الجهود الرامية إلى نزع سلاح الحزب، إلا أن هذه المساعي لم تحقق تقدماً ملموساً، ومن هنا، يرى شينكر أن حجم التصعيد المقبل سيتأثر بقرار الحزب وطبيعة تدخله، فضلاً عن مستوى الرد الإسرائيلي، في ظل احتمال تراجع فاعلية الضغوط والوساطات التي ساهمت سابقاً في احتواء المواجهة.
على المستوى العسكري، يضع قائد منطقة قطاع جنوب الليطاني السابق العميد الركن خليل الجميل التهديدات الإسرائيلية الأخيرة في سياق تصعيد يتطلب التعامل معه بجدية، معتبراً أن أي عملية واسعة في الظروف الراهنة قد تفضي إلى كارثة وفي حديث إلى الموقع، لفت إلى وضوح المواقف التي أطلقها كاتس، مرجحاً أن تكون الرسائل الإسرائيلية موجهة إلى الدولة اللبنانية أيضاً، وليس إلى حزب الله وحده.
وبحسب تقدير الجميل، فإن انخراط الحزب في الحرب بناءً على قرار إيراني قد يدفع إسرائيل إلى محاولة السيطرة على النبطية وفرض حصار بري وبحري وجوي على لبنان، بما يشمل الموانئ والمطار، ويضع هذا الاحتمال البلاد أمام سيناريو بالغ الخطورة، نظراً إلى ما يمكن أن يترتب عليه من انعكاسات عسكرية واقتصادية وإنسانية، في حال انتقلت المواجهة من استهداف مناطق محددة إلى فرض قيود واسعة على حركة الأراضي والمرافق الحيوية.
أما في الحسابات الميدانية، فيعتبر الجميل أن السيطرة الإسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر تمنح القوات الإسرائيلية موقعاً متقدماً يتيح لها، وفق تقديره، الاقتراب من النبطية وكفررمان والتقدم باتجاه المدينة بسهولة، ويرى أن هذا التطور سوف يضع عاصمة جبل عامل تحت ضغط عسكري مباشر، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على المناطق المحيطة بها وعلى البيئة الاجتماعية التي تشكل أحد المكونات الأساسية لحاضنة حزب الله.
ولا تقتصر المخاوف على المحور الشرقي، إذ يلفت الجميل إلى أهمية التطورات في القطاع الغربي، حيث يشير إلى سيطرة القوات الإسرائيلية على تلة مجدل زون، بما يجعل المسافة بينها وبين مدينة صور نحو سبعة كيلومترات، وتزداد أهمية هذا الموقع بالنظر إلى طبيعة المنطقة المحيطة به، والتي تضم قرى منخفضة تمتد من الحنية وإسماعيلية والحوش وصولاً إلى دير قانون النهر، ما قد يمنح أي تقدم إسرائيلي إضافي قدرة أكبر على الضغط على محيط صور.
ويرى الجميل أن طبيعة الأرض والمواقع التي أصبحت تحت السيطرة الإسرائيلية قد تتيح تغيير اتجاه العمليات في حال اتخذ القرار بتوسيعها، خصوصاً إذا استمر التقدم انطلاقاً من المحاور الحالية، وفي هذا السياق، يربط بين الإجراءات التي رافقت إقامة ما يعرف بالخط الأصفر وبين احتمال تهيئة الظروف الميدانية لعمليات لاحقة، معتبراً أن تطور التحركات على المحاور المحيطة قد يضع مدينة صور أمام احتمال الحصار إذا استكملت القوات الإسرائيلية تقدمها وفق هذا المسار.
ومع ذلك، يميز الجميل بين السيطرة على الأراضي والقدرة على إنهاء المواجهة عسكرياً، فخسارة حزب الله مواقع جغرافية، حتى لو شملت مساحات واسعة، لا تعني بالضرورة انتهاء قدرته على القتال، نظراً إلى اختلاف طبيعة عملياته عن أساليب الجيوش النظامية، ويشير هذا التقدير إلى أن الحزب قد يواصل المواجهة حتى في حال فقدان السيطرة على مناطق كان ينتشر فيها، ما يعني أن تبدل خطوط السيطرة لا يشكل وحده دليلاً على حسم الحرب أو توقف العمليات.
وفي المحصلة، تضع القراءة العسكرية التي يقدمها الجميل النبطية وصور ضمن المناطق الأكثر عرضة لاحتمال التقدم الإسرائيلي، فيما يرجح أن يبقى إقليم التفاح خارج المرحلة الأولى من هذا السيناريو، وفقاً لتقديره الأمني والعسكري، وبين التهديدات السياسية والمؤشرات الميدانية، يبقى العامل الأكثر تأثيراً في تحديد مسار المرحلة المقبلة هو قرار حزب الله بشأن المشاركة في أي مواجهة إلى جانب إيران، وما قد يستتبعه من رد إسرائيلي.
وعليه، فإن الخطر لا يرتبط فقط باتساع رقعة العمليات، وإنما باحتمال انتقال المواجهة إلى مرحلة تتغير فيها خريطة السيطرة في الجنوب، وتتزايد فيها الضغوط على الدولة اللبنانية ومرافقها الحيوية، أما الضاحية الجنوبية، فتبقى ضمن أكثر الملفات حساسية، في ظل التهديدات الإسرائيلية المعلنة واحتمال أن يتحدد مصيرها وفقاً لمسار الحرب وحدود التصعيد الذي قد تشهده البلاد..
