حين يحرّك “تيار المستقبل”الساحة… تبدأ حملات التخوين

بقلم مهى العربي

لم يكن اللقاء الحواري الذي أقامته منسقية بيروت في تيار المستقبل مجرّد لقاء تنظيمي عابر، بل شكّل مساحة للتواصل والنقاش، ورسالة واضحة بأن العلاقة بين التيار وقاعدته الشعبية لا تزال حاضرة، وأن الحوار والانفتاح يشكّلان مدخلاً أساسياً لأي مرحلة مقبلة.

لكن يبدو أن هذه الخطوة لم تمرّ من دون ردود فعل وانتقادات وحملات تخوين، في ظلّ ما يثيره احتمال عودة تيار المستقبل إلى العمل السياسي من تساؤلات لدى بعض الأوساط. فبدلاً من قراءة اللقاء بوصفه مساحة للنقاش وتقييم التجربة ومراجعة الأداء، اختار بعض المنتقدين تحويله إلى مناسبة للتشكيك، وكأن مجرّد اجتماع كوادر التيار ومناصريه بات أمراً يستدعي كل هذا الاعتراض.

وهنا يبرز السؤال: لماذا كل هذا الهجوم على لقاء حواري؟ ولماذا تتحوّل ممارسة حقّ طبيعي في الاجتماع والنقاش إلى مادة للتخوين والتجريح؟ أليس الحوار السياسي ظاهرة صحية؟ وأليس من حقّ أي تيار سياسي أن يلتقي جمهوره، ويستمع إلى هواجسه، ويناقش معه تطلعاته وتحديات المرحلة المقبلة؟

إنّ التخوين ليس حجّة، والهجوم ليس بديلاً عن النقاش. فمن يختلف مع تيار المستقبل سياسياً، يستطيع التعبير عن اختلافه بالحوار والحجج والمواقف الواضحة، لا بإطلاق الاتهامات والتشكيك في النوايا. فالاختلاف السياسي حقّ مشروع، لكن تحويله إلى حملات تجريح لا يقدّم إجابات، ولا يفتح باباً لنقاش جدي حول مستقبل الحياة السياسية في لبنان.

ولعلّ ما يستحقّ التوقف عنده هو حجم الاهتمام الذي أثاره لقاء هدفه الأساسي فتح باب التواصل بين التيار وقاعدته الشعبية. وقد يرى أنصار تيار المستقبل في بعض ردود الفعل مؤشراً إلى حساسية تجاه احتمال استعادة التيار حضوره ودوره في الحياة السياسية اللبنانية، وإن كانت دوافع كل موقف تبقى موضع تقدير، ولا يمكن الجزم بها من دون أدلة واضحة.

فتيار المستقبل، بما يمثّله من تجربة سياسية وامتداد شعبي، لا يحتاج إلى تبرير حقّه في التواصل مع جمهوره، ولا إلى استئذان أحد لفتح أبواب الحوار مع مناصريه ومحبيه. فالعمل السياسي لا يُقاس بحجم الضجيج الذي يرافقه، بل بقدرته على التواصل مع الناس، والاستماع إليهم، ومراجعة التجربة، وتجديد الخطاب بما يواكب تطلعات اللبنانيين وتحديات المرحلة.

أما العودة إلى الساحة السياسية، إذا قرّر التيار المضيّ في هذا الاتجاه، فهي مسألة ترتبط بخياراته وقراراته وتقديراته للظروف السياسية المحيطة، وليست رهناً بحملات التخوين أو بردود الفعل على لقاء هنا أو اجتماع هناك. فالحضور السياسي يُبنى بالتواصل والمواقف والممارسة، ولا يمكن اختزاله في ردود الفعل التي ترافق أي تحرّك.

وتبقى الرسالة الأهم أن الحوار ليس تهمة، والاجتماع ليس استفزازاً، والتواصل مع القاعدة الشعبية ليس جريمة سياسية. فمن حقّ تيار المستقبل أن يناقش مستقبله مع جمهوره، كما أن من حقّ الآخرين الاختلاف معه، شرط أن يبقى هذا الاختلاف ضمن حدود السياسة والحوار المسؤول.

وحين يتحوّل لقاء حواري إلى مناسبة للتخوين والتشكيك، يصبح السؤال مشروعاً: هل المشكلة في مضمون ما قيل داخل اللقاء، أم في مجرّد انعقاده؟ وهل الاعتراض موجّه إلى الأفكار المطروحة، أم إلى حقّ تيار المستقبل في التواصل مع جمهوره وفتح النقاش حول مستقبله السياسي؟

قد تختلف القراءات، لكن الحقيقة أن الحوار حقّ، والتواصل حقّ، والعمل السياسي لا يُحسم بحملات الاتهام، بل بالمواقف الواضحة والخيارات التي يعبّر عنها أصحابها أمام الناس

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top