
بقلم ياسمين شعبان
لم تعد زيارات الرئيس السوري أحمد الشرع المتقاربة إلى الرياض تُقرأ في إطار استئناف العلاقات بين البلدين فحسب. فبين زيارتي السادس من تشرين الأول والرابع من تشرين الثاني، حضرت ملفات الدفاع والاقتصاد وإعادة الإعمار، بالتزامن مع طرح احتمال انضمام دمشق إلى “حلف مكة”. وبين الاتفاقات المعلنة والأسئلة المفتوحة، يبرز تساؤل عن مدى استعداد سوريا للانتقال من التعاون الثنائي إلى ترتيبات أمنية إقليمية أوسع، وعن حدود ما تستطيع الالتزام به في ظل التحديات الداخلية التي تواجهها.
المحلل السياسي السوري أحمد قاسم يرى، في حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، أن تكرار الزيارات ليس مجرد انعكاس لعلاقة جيدة بين القيادتين، بل دليل على محاولة نقل التفاهمات السياسية إلى مستوى المصالح الاستراتيجية. ويشير إلى أن عودة الشرع بعد أسابيع برفقة وزراء الدفاع والمالية والصناعة والخارجية ورئيس الاستخبارات تختلف عن زيارة بروتوكولية لتأكيد عودة العلاقات. فحضور هذا العدد من المسؤولين المعنيين بقطاعات مختلفة، وفق قراءته، يوحي بأن الجانبين يريدان بحث ملفات مترابطة بدلاً من معالجة كل ملف على حدة.
ويوضح قاسم أن المباحثات لم تقتصر على الجانب العسكري، بل طاولت الصناعة والزراعة والبيئة والبنية التحتية والصحة والطاقة والإسكان. وبرأيه، تنظر السعودية إلى سوريا بوصفها بلداً مؤثراً في مستقبل الأمن الإقليمي، لا مجرد ساحة لإعادة الإعمار، بينما تحاول دمشق استعادة موقعها السياسي بعد سنوات من تحوّل أراضيها إلى ميدان تنافس بين قوى خارجية.
“حلف مكة”… بين البحث والقرار
في ملف الانضمام إلى «حلف مكة»، يلفت قاسم إلى فارق أساسي بين دراسة الخطوة والتفاهم السياسي حولها واتخاذ قرار فعلي يفرض التزامات عسكرية. ويذكّر بأن ما أُعلن على لسان وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني هو دراسة احتمال الانضمام إلى الاتفاق الدفاعي الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، وليس إعلان عضوية مكتملة. لذلك، يرفض القفز من التصريحات السياسية إلى الحديث عن ضمانات دفاعية أو التزامات لم تتضح طبيعتها بعد.
ويشرح أن دمشق قد تجد في هذا المسار فرصة لتحقيق ثلاثة أهداف: تعزيز قدرتها على الردع في ظل الاعتداءات الإسرائيلية وضعف قدراتها الدفاعية، وتسريع تأهيل المؤسسة العسكرية بالتدريب وتبادل الخبرات والتكنولوجيا، واستعادة حضورها في النقاشات المتعلقة بأمن المنطقة. ويضيف أن الفارق كبير بين أن تُبحث قضايا أمن سوريا في غيابها وأن تشارك هي نفسها في رسم الترتيبات المرتبطة بها.
اتفاق الرياض… تعاون أم تحالف؟
أما اتفاق التعاون الدفاعي المعلن في الرابع من تشرين الثاني، فلا يراه قاسم دليلاً كافياً على قيام تحالف عسكري. فالتعاون، كما يوضح، قد يشمل التدريب والاستشارات وإعادة هيكلة المؤسسات، فيما يرتبط التحالف بالتزامات متبادلة عند وقوع تهديد أو اعتداء. ولأن تفاصيل الاتفاق لم تُنشر كاملة، يعتبر أن من المبكر الجزم بما يرتبه على الطرفين.
ومع ذلك، يربط قاسم بين توقيت الاتفاق وفتح النقاش بشأن “حلف مكة”، ويرى احتمالاً لمسار تدريجي يبدأ بالتعاون بين دمشق والرياض، ثم يتوسع إلى تنسيق أمني، وربما إلى إطار دفاعي أشمل. لكنه يشدد على أن توسع التعاون مع أنقرة وإسلام آباد لا يعني تلقائياً قيام جبهة موحدة ضد طرف بعينه.
استقلال القرار… الامتحان الأصعب
ويضع قاسم هذه التحركات في سياق تحول إقليمي نحو شراكات مرنة؛ فقد تتعاون الدول أمنياً في ملف، واقتصادياً في آخر، من دون أن تتطابق مواقفها السياسية. إلا أن خصوصية سوريا، الخارجة من سنوات من التدخلات الخارجية، تجعل مسألة استقلال القرار أكثر حساسية. فالانفتاح على أطراف عدة قد يمنح دمشق خيارات أوسع، لكنه يتطلب إدارة دقيقة للتوازن بين المصالح والالتزامات.
ويحذر من خيارين: الانكفاء إلى عزلة لا تسمح بها الإمكانات الحالية، أو الارتهان الكامل إلى شراكات الخارج لتعويض ضعف الداخل. وفي رأيه، لن يتحدد نجاح السياسة السورية بعدد التحالفات التي تنضم إليها دمشق، بل بقدرتها على إدارة علاقاتها وحماية هامش قرارها المستقل.
ويختم قاسم بالتأكيد على أن سوريا أمام لحظة استراتيجية مهمة، لكنها أيضاً لحظة تتطلب حسابات دقيقة. فبعد سنوات كانت فيها الجغرافيا السورية مستباحة لتنافس القوى الإقليمية، أصبح أمام دمشق احتمال المشاركة في صياغة ترتيبات أمن المنطقة.
