العقرب – ديمقراطيا نيوز
دردشة لحوالي ساعة من الزمن جمعت الرئيس سعد الحريري مع عدد محدّد من الإعلاميين في بيت الوسط. جلسة حوارية جرى خلالها طرح ومناقشة مختلف الأفكار والمواضيع التي تراود او قد تكون موضع تساؤل لدى المواطنين اللبنانيين بمختلف تلاوينهم وانتماءاتهم الطائفية والسياسية والفكرية…
لكن وان كانت الأسئلة المطروحة شبه مفهومة او واقعية، الا ان الإجابات التي أدلى بها الرئيس الحريري حقيقة الأمر كانت غير اعتيادية وفوق مستوى الأفكار أو المعتقدات او المفاهيم السياسية اللبنانية التقليدية!..ساعة من الوقت كانت كافية لِتُرسم على وجوه الزملاء والزميلات علامات الدهشة والترقب من جهة، ومن جهة أخرى، انتظار انتهاء اللقاء للتفكير مليًّا وبرويّة بما قاله الحريري قبل التعليق عليه!..
لن أكرّر ما جرى نقله من مواقف سياسية للرئيس الحريري في هذه الدردشة، وقد نشرناها منذ الأمس مع باقي الزملاء في وسائلنا الإعلامية، لكني سأحاول قدر الإمكان، ان أركز أكثر على الجانب الانساني والشخصي الذي بدا عليه الحريري، وهو برأيي أثار اعجاب واحترام كل من شارك في هذه الجلسة.
لا يمكن وانت تستمع للحريري الا وان تخرج بانطباعٍ واضح لا لبس فيه ان الرجل “زاهد” بكل مراكز ومواقع السلطة واغراءاتها، لا يعنيه أبدًا ان يتولى الحكم لمجرّد الحصول على لقب “دولة الرئيس” دون تحقيق انجاز وتوفير الحياة الكريمة للشعب اللبناني.. هو أصلا لم يكن بوارد تولي مسؤولية الرئاسة الثالثة، الا حينما شعر ان الوقت يبدو قد حان لحمل “كرة النار”..
لا يريد سعد الحريري ان يكون مرجعية طائفية “سنيّة”، فلم يكن هذا مشروع رفيق الحريري الذي أراد استكماله.. برأي الحريري “الابن” “الطائفية” هي مرض لبنان الأول والأخير، وعلينا ان نتخطى هذا الموضوع ان اردنا “قيامة” بلدنا من جديد..
لا يعنيه ان ينتصر او يكسب جولات بوجه أحد في الداخل او الخارج.. ورفض ان تكون مشهدية “١٤ شباط” هذا العام انتصار لسعد الحريري او تكريس لمرجعيته!.. بل اعتبر ان مشاركة الناس الكثيفة وبهذا الحجم دليل على انتصار فكرة “الإعتدال” في لبنان وهذا هو الأهم بالنسبة له..
لم يندم في اية لحظة على قراره عام ٢٠١٩ بترك السلطة، طالما انه فكّر مع نفسه، وأيقن بأنه لن يتمكن من فعل أي شيء في ظلّ كل ما يدور حوله..
لا يفكر بالعودة الى رئاسة الحكومة، يفضّل البقاء خارجًا وان تأتي شخصيات أخرى، ولا مانع من مساعدتهم وتوجيههم. ويجب على كل المسؤولين القيام بنفس الأمر، ولما لا تشكيل “مجلس حكماء” لمساعدة القيادات الجديدة!..
حتى الإنتخابات البلدية يبدو ان الحريري لن يخوضها، “فأساسًا في الاستحقاقات البلدية السابقة كنّا نترك الأمر للعائلات، الا في بيروت كنّا نتدخل من أجل المحافظة على المناصفة.. لكن للأسف، يصوّر البعض الأمر، بمن فيهم من كانوا معنا، وكأن المسلمين يريدون السيطرة على العاصمة والإنقضاض على المسيحيين!.. يلجؤون الى سعد الحريري فقط للمساعدة في حلّ العقد والمشاكل، ويأخذون منه ما هو حق له. هذا الأمر انتهى.. وأصلًا ما الفائدة من بلدية بيروت طالما ان القرار التنفيذي عند المحافظ. الحلّ الأفضل اما ان يتم الغاء البلدية او الغاء المحافظ واعطاء المجلس البلدي السلطة التقريرية التي تساعده على الإنجاز”..
حتى عندما تُقرّر استمالته او اغراؤه، فتؤكد له مُعطى ان “السُنّة” “أيتامًا” من بعدك، وبأن الشخصيات السياسية الموجودة لم تستطع تعويض غيابك، يبادرك القول ببساطة ” لا، الرئيس ميقاتي موجود، ويقوم بما يجب في ظلّ حكومة مستقيلة، والنواب السُنة يعملون ما بوسعهم، وانا لن أضيف أي شيء آخر”..
هذا الرجل لا يريد شيئًا لنفسه، همّه البلد واستقراره لا أكثر ولا أقلّ.. برأيه ان مشاركة الناس بكثافة في هذه الذكرى لم يكن هدفها المطالبة بعودته الى الحكم، يرفض هذا الاستنتاج، ويعتبر ان الناس أحبّت رفيق الحريري، وهذه الحالة العاطفية انتقلت اليه، وسيحاول قدر الإمكان المحافظة عليها.. أنا أضعها في هذا الإطار حصرًا!..
حين انتهى اللقاء، وعند الحديقة الخارجية ل”بيت الوسط”، سألت أحد الزملاء ما رأيك؟… أجابني بسرعة “لو أننا في بلدٍ يستحق الحياة، لمنعنا هذا الرجل من مغادرة أدراج هذه الحديقة”!..
