الفدرالية المقنّعة بين الحزب والقوات والغياب السني!

الجزء الثاني

كتب صائب بارودي

ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:”وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ”.في هذه الآية الكريمة كأنه توصيف بليغ ورائع الإيجاز للمشهد السياسي اللبناني وما جرى من لقاءات ومشاورات واتصالات ومباحثات بين مختلف القوى السياسية واللجنة الخماسية التي تضم سفراء أميركا وفرنسا وهما إحدى مراكز القرار الدولي وسفراء مصر والسعودية وقطر وهم دول الثقل السياسي والمالي في الوطن العربي وموفد الرئاسة الفرنسية جان إيف لودريان وهو وزير خارجية أسبق لفرنسا ورئيس الدبلوماسية الفرنسية صاحب الباع الطويل والخبرة المديدة في العلاقات الدولية وخبير المفاوضات في شؤون الأزمات السياسية الدولية.وقد باءت هذه الجولات المتتالية من المشاورات والمفاوضات لإيجاد تسوية توافقية لأزمة الفراغ الرئاسي في لبنان بالفشل،ما دفع الموفد الفرنسي لنعي كل المبادرات وتحميل القوى السياسية اللبنانية وكتلها النيابية مسؤولية الفشل الذريع مقروناً بتهديد مبطن وتحذير من زوال الوجود السياسي اللبناني وبقائه جغرافياً؟؟
كما صدر عن اللجنة الخماسية بيان في ذات المنحى التهديدي للإستقرار في لبنان سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً!!

والسؤال المطروح هل يعقل أن تفشل الدبلوماسية الفرنسية والعربية في إيجاد حل لمعالجة الأزمة اللبنانية مع القوى السياسية والكتل النيابية رغم أن غالبيتهم من نتاج تدخلاتهم في الشؤون السياسية والإنتخابية دعماً وتمويلاً ويقفون على أبوابهم في كل مناسبة واستحقاق أم أنهم كانوا يدفعون باجتماعاتهم ولقاءاتهم ومباحثاتهم إلى طريق مسدود والإيهام باختلاف وجهات النظر عكس ما توحي بها تصريحاتهم في نهاية كل لقاء!!لترسيخ الأزمة وتعقيدها تنفيذاً للمخطط المشبوه المرسوم بانتظار تسوية الصفقة في المنطقة العربية،ولبنان تفصيل بسيط وثانوي في مندرجاته. والوسطاء يدركون ذلك ويخفون حقائقه.
وقد بدأت بوادر المخطط تلوح في الأفق اللبناني مؤخراً فارتفعت وتيرة التصعيد العسكري جنوباً والتوتر السياسي داخلياً في تبادل الأدوار بين الحزب والقوات.

حيث صادر الحزب قرار التلاعب بمصير لبنان جنوباً عبر التهديدات العسكرية بين الحزب والعدو الصهيوني،وبدأت القوات بالمراهنة على مصير الوطن بإشاعة الأجواء الإنفصالية والدعوة إلى التقسيم بكل وقاحة وصفاقة ،بلغت في أحدهم من مسؤولية إلى الدعوة لتقسيم لبنان إلى أربع مقاطعات مسيحية وسنية وشيعية ودرزية؟!..

وهنا يطرح أحدهم سؤالاً لا يخلو من الخبث والمكر : ما دور السنّة في هذا الصراع والطروحات؟و أين موقع الإعتدال السني؟..

طبعًا ودون أي تردد يغمز السائل بخبث من قناة “الحريرية السياسية” لإيقاعها في مأزقين: • أحدهما المأزق المذهبي والآخر التخلي عن بيئته وقواعده الشعبية.
هنا من الضروري العودة إلى الماضي حين قرر الرئيس الشهيد رفيق الحريري العودة إلى لبنان حاملاً معه أحلام وطن لتنفيذ مشروعه الوطني في البناء والإعمار والإنماء وإحياء لبنان مجددًا من تحت الركام،متسلحًا بعشقه لوطنه ومواطنيه دون تمييز أو هوية مذهبية وبدأ بتنفيذ مشاريعه الإنمائية والإعمارية والتربوية وشق الطرقات والأوتسترادات من رأس الناقورة جنوبًا إلى العريضة مع الحدود السورية شمالًا ومن البحر حتى الحدود السورية بقاعًا.ونفذت مشاريعه في كل المدن والمناطق اللبنانية دون تفرقة طائفية ومذهبية حتى آمن به اللبنانيون كشخصية قيادية وطنية ورمز للوحدة والإنصهار الوطني حتى أن كتلته النيابية ومكتبه السياسي يضم أعضاء من مختلف الطوائف والمذاهب.فأرعب الطائفيون والمذهبيون وخشوا منه على مشاريعهم المشبوهة التقسيمية فاغتالوه ليوقعوا الوطن وشعبه في المصير المجهول.

وتسلّم الرئيس سعد الحريري الراية الحريرية السياسية خلفًا لوالده الشهيد متعهداً الإستمرار بمسيرته الوطنية ملتزمًا بمنهجه وفكره ومشروعه الوطني متمسكاً بهويته الوطنية الجامعة متصديًا لمحاولات الآخرين حصاره وتطويقه بالعامل المذهبي كمرجعية للإعتدال السني رافضًا التجارب مع هذه البدعة المتخلقة مصراً على مواقفه الراعية للوحدة الوطنية وإن أفقدته بعض قواعده المنجرفة نحو مفاهيم سياسية خاطئة أراد الطائفيون والباطنيون والمنافقون ومنهم من ترعرع في مرعى الحريرية السياسية واستفاد من خدماتها وعطاءاتها إضافةً إلى سعيهم الدؤوب إلى الإيقاع بينه وبين محيطه العربي والشعبي اللبناني،بلغت ذروتها في حراك ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩ مع ما رافقها من مظاهر الفوضى والتخريب وزعزعة الإستقرار السياسي والإقتصادي فأدرك أنها حلقة في سلسلة المخطط التقسيمي المشبوه المُزمع تنفيذه في لبنان.فقرر الإستقالة واعتزال أي موقع للمسؤولية ليس تهرباً وتخلياً عن بيئته بل رفضاً الانخراط والمساهمة في أي سيناريو تخريبي للوطن استجابةً لرغبات الآخرين ومآربهم.
فالقضية ليست اعتدالاً سنياً لأنه لا يوجد هناك ما يسمي اعتدالاً مذهبياً في المفهوم السياسي بل موقفاً وطنياً جامعاً يستند للعقل والمنطق والمصلحة الوطنية العليا. أما المذهبية واعتدالها فللقضايا الشرعية وأحكامها الدينية والروحيةولها مرجعية معروفة هو مفتي الجمهورية.
فهو موقف عابر تجنباً لإرتكاب الأخطاء والخطايا السياسية كما يتمناها له الخصوم وأدعياء التآلف والتضامن والتحالف الإبتزازي.
والحريرية السياسية مستمرة في ذكرها ونهجها الوطني وإن كره الحاقدون .

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top