البيان الوزاري في لبنان: وعود متكررة أم خطة للتنفيذ؟

شهد لبنان في الأشهر الأخيرة تحولات جوهرية على مختلف المستويات، ولعلّ أبرزها تشكيل الحكومة الجديدة التي تحمل آمالاً كبيرة في إحداث تغيير حقيقي، خاصة مع تركيبتها الوزارية القائمة على اختصاصات وسير ذاتية لافتة.
ومع ذلك، يبقى البيان الوزاري المنتظر بمثابة البوصلة التي ستحدد مسار الحكومة الجديدة، إذ يُطرح التساؤل حول طبيعة التوجهات التي ستتبعها، لا سيما فيما يتعلق بعبارة “جيش وشعب ومقاومة” التي تكررت في البيانات الوزارية للحكومات السابقة.
يُعدّ البيان الوزاري بمثابة البرنامج العملي للحكومة، وهو الوثيقة التي تستند إليها لتنفيذ وعودها وتحقيق المصلحة الوطنية. لكن، أثبتت التجارب السابقة أن معظم ما تضمنته البيانات الوزارية المتعاقبة ظلّ حبراً على ورق، إذ تكررت الوعود في كل مرة دون تحقيق تغييرات فعلية.
فقد شملت البيانات الوزارية السابقة وعوداً بتحسين الاقتصاد، تطوير القطاع الصحي، توفير الكهرباء والمياه، إصلاح القضاء، والنهوض بالبنية التحتية، إلا أن هذه الوعود بقيت مجرد شعارات، فيما استمرت الأزمات بالتفاقم.
على سبيل المثال، تعهدت حكومة سعد الحريري في بيانها الوزاري عام 2016 بمعالجة المشكلات المزمنة مثل الكهرباء والمياه وأزمات السير، إضافة إلى تحسين شبكة الأمان الاجتماعي وتأمين التعليم والطبابة للجميع، لا سيما الفئات الأكثر فقرًا.
غير أن هذه التعهدات لم تتحقق، إذ استمر اللبنانيون في المعاناة من انقطاع الكهرباء، أزمة المياه، تفاقم مشكلة النفايات، وتدهور الخدمات الصحية. ومع مرور السنوات، تحولت الوعود بالنهوض الاقتصادي إلى حلم بعيد المنال، وبقيت المستشفيات خارج قدرة شريحة واسعة من المواطنين بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية.
أما حكومة حسان دياب، التي تشكلت عقب ثورة 17 تشرين، فقد قدمت بياناً وزارياً طموحاً ركّز على خفض الدين العام، إشراك القطاع الخاص في بعض المشاريع، وإصلاح قطاع الطاقة من خلال تأمين التيار الكهربائي باستمرار وتقليص العجز المالي. إلا أن هذه الخطط بقيت حبراً على ورق، ولم يتم تنفيذ أي من التدابير الموعودة، بل شهدت البلاد مزيدًا من الانهيارات المالية والخدماتية.
وفيما بعد، جاءت حكومة نجيب ميقاتي تحت شعار “معًا للإنقاذ”، إلا أن الواقع كان مختلفًا تمامًا، إذ غرقت البلاد في المزيد من الأزمات، وصولًا إلى الحرب الأخيرة التي زادت من تعقيد المشهد. وعلى الرغم من تعهد الحكومة بتنفيذ خطة إنقاذ اقتصادي واستئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، إلا أن الاجتماعات الحكومية باتت شبه مستحيلة نتيجة الخلافات السياسية، مما حال دون تنفيذ الإصلاحات الضرورية.
كما وعدت الحكومة بزيادة التغذية الكهربائية، تنويع مصادر الطاقة، وإصلاح قطاع المياه والصرف الصحي، غير أن هذه الوعود لم ترَ النور، وبقيت الأوضاع على حالها دون أي تحسن ملموس.
أما الشق الأكثر حساسية، فهو المتعلق بمعادلة “الجيش والشعب والمقاومة”، التي ظهرت في جميع البيانات الوزارية السابقة وأعطت غطاءً رسميًا لسلاح حزب الله. ففي حكومة سعد الحريري، جاء التأكيد على “حق اللبنانيين في المقاومة لحماية الوطن واسترجاع الأراضي المحتلة”، وهو ما كررته حكومة دياب بصياغة شبه متطابقة.
أما حكومة ميقاتي، فقد غيّرت في الصياغة لكنها أبقت على المضمون ذاته، مع التأكيد على حق اللبنانيين في الدفاع عن أراضيهم بشتى الوسائل المشروعة، وهو ما يُعتبر استمراراً للنهج السابق في منح الشرعية للحزب وسلاحه.
أمّا اليوم، يترقب اللبنانيون البيان الوزاري الجديد، خاصة في ظل المتغيرات السياسية والأمنية التي يشهدها البلد. فمصير الإصلاحات الاقتصادية، تحسين الخدمات الأساسية، وإعادة بناء الدولة، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتوجهات التي ستتبناها الحكومة، لا سيما فيما يخص مسألة السلاح غير الشرعي ودور الدولة في اتخاذ القرارات السيادية.
ومن هنا، يبقى السؤال: هل سيكون البيان الوزاري المقبل مختلفًا عمّا سبقه، أم أننا سنشهد تكرارًا جديدًا للوعود دون أي تنفيذ فعلي؟

المصدر: Mtv، سينتيا سركيس

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top