
خاص – ديموقراطيا نيوز
عندما اندلعت شرارة الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، لم يكن أحد يتخيّل أن النزاع سيمتد خمسة عشر عاماً، و أنه سيُحوّل هذا البلد الصغير الذي كان يُلقّب ب” سويسرا الشرق “، إلى ساحة حرب، و أن بيروت التي كانت عاصمة مزدهرة، ستصبح مدينة أشباح.
كانت الشوارع والأزقة التي احتضنت يوماً المثقفين، الفنانين، و رجال الأعمال… تعجّ بالمسلحين الذين يقفون خلف متاريسهم الترابية، التي باتت أشبه بكابوس يومي يرافق اللبنانيين و واقع مُحال الفرار منه. كما تحوّلت الأحياء السكنية إلى خطوط تماس بين فصائل و ميليشيات متناحرة.
في خضمّ هذا المشهد السوداوي و المأساوي، كان هناك رجل أعمال لبناني يراقب بلده من بعيد، بينما يبني إمبراطوريته في السعودية.
لم يكن رفيق الحريري، مجرّد رجل أعمال، بل كان يحمل حلماً كبيراً داخله، و هو إعمار وطنه المدمّر، و إعادته على خريطة الإقتصاد العالمي، كما كان خلال ستينات القرن الماضي.
حين بدأ الحديث عن إنهاء الحرب، كان رفيق الحريري واحداً من مهندسي “اتفاق الطائف” عام 1989، هذا الإتفاق الذي وضع حداً رسمياً للقتال من جهة، و رسم ملامح نظام سياسي جديد فيما بعد من جهة أخرى.
مع انتهاء الحرب، عاد الحريري إلى بيروت ليس كواحد من رجال الأعمال، بل كرجل دولة يحمل مشروعاً طموحاً لإعادة بناء لبنان.
تسلّم رئاسة الحكومة عام 1992، وبدأ بتطبيق رؤية اقتصادية ضخمة تهدف إلى إعادة بناء البنى التحتية، و جذب الإستثمارات، بالإضافة إلى تحقيق الإستقرار المالي بعد انهيار الليرة اللبنانية نتيجة الحرب.
إلاّ أنه لم يكن يعلم أن طريق الإعمار سيكون مليئاً بالعقبات. من الديون المتراكمة، إلى الصراعات الداخلية، و التدخلات الإقليمية التي جعلت من لبنان ساحة مفتوحة للمصالح الدولية.
من هنا يمكن طرح السؤال التالي:
كيف شكّلت إنجازات رفيق الحريري حجر الأساس لنهضة لبنان الحديثة، و جعلته رمزاً للإعمار و التنمية؟
في أزقة صيدا…ميلاد حلم لم ينطفئ
على ضفاف صيدا القديمة، حيث تلتقي الشمس بمياه البحر المتوسط، ولد رفيق الحريري في الأول من نوفمبر عام 1944، بين أزقة تضج بالحياة وتاريخ عريق من الكفاح و الصمود.
نشأ في بيئة متواضعة، لكنه أدرك منذ صغره أن التعليم هو بوابته نحو مستقبل أفضل.
مع مرور السنوات، بدأ يتطلع إلى آفاق أوسع، مدفوعاً برغبة تحقيق شيء أكبر من إمكانياته المتاحة.
هذا الأمر أدّى به، في بداية شبابه إلى حمل طموحه الكبير و السفر إلى السعودية، حيث بدأ أولى خطواته في عالم الأعمال، غير مدرك آنذاك أن رحلته هذه ستقوده يوماً، ليصبح أحد أبرز الشخصيات في تاريخ لبنان الحديث، و أنه سيكون أشبه بمخلّص لهذا البلد الذي محت الحرب كل معالمه الأثرية و الحضارية.

رجل الأعمال في السعودية… ورحلة العودة إلى لبنان
في سبعينات القرن الماضي، أصبح رفيق الحريري أحد أبرز رجال الأعمال في السعودية، بعدما أسس شركة ” أوجيه “، التي حصلت على عقود ضخمة في قطاع المقاولات، مكّنته من بناء شبكة علاقات واسعة من العائلات الحاكمة و رجال السياسة.
ضمن الإطار المذكور، لم يكن رفيق الحريري مجرّد رجل أعمال، بل شخصية مؤثرة ساهمت في مشاريع تنموية كبرى، مما عزّز حضوره الإقليمي و الدولي.
لكن رغم كلّ ما حصل عليه، بقيت عينه على لبنان، الذي كان غارقاً في أتون حربه الأهلية.
وسط الدمار و الإنقسامات السياسية و الإحتدام الطائفي، حمل الحريري مشروعاً واضحاً: ” إعمار بيروت وإعادة لبنان إلى الخارطة الإقتصادية والسياسية الدولية “.
رفيق الحريري بين أنقاض الحرب وتوازنات السياسة… عودة محفوفة بالتحديات
عند عودة رفيق الحريري إلى لبنان، وجد نفسه في قلب معادلة سياسية معقدة للغاية، تحكمها توازنات دقيقة.
بعبارة أخرى، كان النفوذ السوري في لبنان بأوجه بعد “اتفاق الطائف”، مما جعل من الصعب إنشاء أي مشروع إقتصادي و سياسي دون موافقة دمشق عليه، التي فرضت بدورها سيطرتها على القرار اللبناني.
في المقابل، وبسبب الحرب التي عاشها لبنان على مدار 15 عاماً، أصبح الواقع الإقتصادي مرير للغاية، نتيجة انهيار الليرة اللبنانية من جهة، وتصاعد حدّة الدين العام من جهة أخرى.
بقيت الإنقاسامات الطائفية و السياسية أشبه بجرحٍ مفتوحٍ حيث توزّعت الولاءات بين الداخل والخارج.
و وسط هذا المشهد المضطرب و الكارثي، كان لا بدّ من دعم خارجي مفتوح يساعد في إخراج لبنان من كبوته.
و هذا ما استطاع رفيق الحريري تأمينه، من خلال شبكة علاقاته الدولية، مستقطباً دعماً عربياً و غربياً على حدّ سواء، خصوصاً من المملكة العربية السعودية و فرنسا، اللتين رأتاه رجل المرحلة، القادر على إنقاذ لبنان من أزمته، و إحياء إقتصاده من جديد.
لم يدخل الشهيد رفيق الحريري السياسة بصفته زعيماً طائفياً كما الآخرين، بل كمشروع إقتصادي متكامل حمل رؤية لإعادة البناء. إلاّ أن تداخل المصالح الإقليمية و المحلية، جعل من طريقه محفوفاً بالتحديات والمواجهات التي لم تتوقف حتى اللحظة الأخيرة من حياته.

إرث من البناء: كيف حوّل رفيق الحريري الدمار إلى إنجازات؟
عندما تولى رفيق الحريري رئاسة الحكومة في أوائل التسعينات، كان لبنان خارجاً من حرب أهلية مدمّرة تركت بنيته التحتية في حال يُرثى لها.
وسط هذه المشهدية القاتمة، حمل الحريري طموحاً لإعادة إعمار البلاد، و تحديداً بيروت التي كانت في صميم هذه الخطة.
أطلق مشروع ” سوليدير “، لإعادة بناء بيروت، إذ تمّ تحويل الركام إلى مدينة حديثة، تجمع بين الأصالة الحداثة، و تعيد للعاصمة اللبنانية العريقة، مكانتها كمركز إقتصادي و سياحي في المنطقة.
في المقابل، و على رغم التحدّيات السياسية و الإقتصادية التي واجهته، كان الحريري دائماً ما يردد شعار: ” البلد ماشي، والشغل ماشي، ولا يهمك “، في إشارة إلى عزمه على المضيّ قدماً رغم العوائق، وإلى ثقته التامة بقدرة لبنان على النهوض مجدداً.
هذه الروح التفاؤلية لم تكن مجرد كلمات، بل انعكست في مشاريع ضخمة، امتدت من بيروت إلى مختلف المناطق اللبنانية، حيث تمّ تطوير شبكة الطرقات، المطار، الإتصالات، و المرافق العامة.
إصلاح النظام التعليمي
إلى جانب إعادة إعمار المدن، أدرك الحريري أن بناء الأوطان لا يكتمل دون الإستثمار في القدرات البشرية، التي من خلالها تتحقق عملية النهوض الصحيحة والمستدامة. لذلك، فقد قام بتأسيس ” مؤسسة رفيق الحريري “، التي قدّمت بدورها آلاف المنح الدراسية للشباب اللبناني، و أتاحت لهم فرصة التعليم في أرقى الجامعات داخل لبنان و خارجه.
كما سعى الحريري إلى تطوير النظام التعليمي، وذلك عبر تحسين البنية التحتية للمدارس وتحديث المناهج، مما ساهم في خلق جيل جديد، قادر على قيادة البلاد نحو مستقبل أفضل.
تحقيق الإستقرار المالي وإنعاش الإقتصاد
حين استلم رفيق الحريري منصبه كرئيس حكومة، كان اقتصاد البلد في حالة انهيار تام، و سعر صرف الليرة متدهور بشكل خطير. و هذا ما دفع الحريري في ذلك الحين، إلى استغلال علاقاته الدولية من أجل جذب الإستثمارات و المساعدات، و تحديداً من فرنسا والمملكة العربية السعودية كما ذكر سابقاً. و بذلك، نجح الحريري في تنفيذ إصلاحات مالية كبيرة.
واحدة من أهم الإصلاحات المالية، هي تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية، على 1507.5 ليرات مقابل الدولار الأميركي، و هي السياسة التي استمرت إلى سنوات، و أعادت بدورها الثقة إلى الأسواق المالية اللبنانية.
علاوة على ذلك، حرص الحريري على تسهيل الإجراءات المصرفية، و تقديم حوافز للمستثمرين، مما أدى إلى ازدهار القطاع المصرفي اللبناني ليصبح أحد أقوى القطاعات في المنطقة.
من ناحية أخرى، كان الحريري يعلم تمام العلم أن الإقتصاد القوي يحتاج إلى بنية تحتية متينة. لذلك، قام بإطلاق مشاريع ضخمة:
-توسيع وتحديث مطار بيروت الدولي، مما عزّز حركة الطيران و القطاع السياحي.
-إصلاح و تعبيد الطرقات الرئيسية، و إنشاء الجسور و الأنفاق، مما سهّل حركة التنقل وحفّز التجارة الداخلية.
-إعادة بناء شبكة المياه و الكهرباء، رغم التحديات السياسية التي حالت دون تحقيق استقرار كامل لهذا القطاع.
الحريري وصناعة الإستقرار: رجل التوافقات الوطنية
إلى جانب الإنجازات الإقتصادية التي أعادت لبنان على الخارطة السياحية و الخدماتية، و التي جعلته وجهة لأكبر رجال الأعمال في الدول العربية والغربية. لم يصل الأمر إلى هذا الحدّ فقط. بل كان لرفيق الحريري دور دبلوماسي بارز في وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 1996، و التي عرفت بعملية ” عناقيد الغضب “.
من خلال جهوده المكثفة، نجح في التوصل إلى ما اتفاق عرف تحت مسمى ” تفاهم نيسان “، الذي وضع حداً للعدوان، وألزم إسرائيل بعدم استهداف المدنيين، كما مكّن المقاومة اللبنانية من الإستمرار في نشاطها داخل الأراضي التي كانت محتلة من قبل إسرائيل، ممهداً لاحقاً إلى تحرير الجنوب عام 2000.
هذا الإنجاز السياسي عزّز مكانة الحريري كوسيط دولي فاعل، و أثبت أن للبنان صوتاً يُسمع في المحافل العالمية.
أخيراً، و رغم صعوبة المشهد السياسي في لبنان خلال التسعينات، كان الحريري مدافعاً شرساً عن تقوية مؤسسات الدولة. فعمل على تعزيز دور رئاسة الحكومة من جهة، وإعادة التوازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية من جهة أخرى.
رفيق الحريري: الرجل الذي نهض بلبنان ورحل قبل أن يكتمل الحلم
في صباح الرابع عشر من شباط 2005، دوّى انفجار ضخم في قلب بيروت. لم يكن مجرد عملية اغتيال سياسي، بل كان زلزالاً قلب موازين لبنان. استشهد رفيق الحريري، الرجل الذي أعاد بناء بلده الذي أحبه وسعى جاهداً لنهضته.
لم يكن اغتياله مجرد إنهاء لحياته، بل كان محاولة لاغتيال مشروعه، إلاّ أن إرثه ظلّ شاهداً على مسيرته، في شوارع إعاد إعمارها، وجامعات أسسها، وأحلام زرعها في أجيال تعلّمت على يديه أن لبنان يستحق الحياة.
لكن بعد اغتياله، دخل لبنان في مرحلة اضطراب سياسي وأمني كبير، فانفجرت الأزمات الداخلية، واندلعت سلسلة من الإغتيالات السياسية. وانقسم الشارع اللبناني بين من طالب بكشف الحقيقة، و بين من حاول طمسها، و خرجت البلاد إلى حالة استقطاب حاد بين القوى السياسية، زادها تعقيداً انسحاب الجيش السوري من لبنان بعد 30 عاماً.
و مع مرور السنوات، تدهور الوضع الإقتصادي الذي كان الحريري قد نجح في إنعاشه، و عادت الأزمات المالية و السياسية لتخنق البلاد، وسط إنقسامات لم تهداً، و وعود لم تحقق.
ومع ذلك، و رغم كل التحديات لا يزال اسم رفيق الحريري حاضراً في كل زاوية من لبنان، وما تمّ ذكره في هذا البحث الموجز، ليس إلاّ جزءاً بسيطاً من إرثه العظيم.
سيبقى الشهيد رفيق الحريري عنواناً للنهوض، ورمزاً للعمل والإنجاز، وحلماً نبراساً لأجيال قادمة تحمل الشعلة من بعده.

المصادر والمراجع:
-وكالة رويترز، حقائق اغتيال رفيق الحريري وتداعياته، 2020.
-الجزيرة، رفيق الحريري في ذكرى اغتياله.. العصامي الذي عمر بيروت وقتل في قلبها، 2022.
-الجزيرة، تداعيات ما بعد اغتيال الحريري، 2006.
-اللواء، في ذكرى استشهاده هذه مآثر وإنجازات رفيق الحريري، عمر البردان، 2020.
-الجزيرة، اغتيال الحريري: الحقيقة المخفية، فيلم وثائقي.
-المؤسسة اللبنانية للإرسال، رفيق الحريري: الحلم الذي اغتيل، فيلم وثائقي.
