
في كل مرحلة سياسية، تتغير التحالفات والأولويات، ويعاد رسم ملامح السلطة. منذ خروج الجيش السوري من لبنان، انقسم المشهد السياسي بين فريق يدعو إلى دولة مستقلة تسيطر على أراضيها وسلاحها، وفريق يسعى إلى إبقاء لبنان ضمن مشاريع إقليمية تحت غطاء دولة شكلية.
مشروع الدولة في مواجهة الدويلة
رغم التغيرات العديدة التي شهدتها الساحة اللبنانية، بقي الصراع الأساسي قائمًا بين من يؤمن بسيادة الدولة ومن يسعى لترسيخ الدويلة. وقد جاءت اتفاقات وقف إطلاق النار الأخيرة لتعزز منطق الدولة، مستندة إلى اتفاق الطائف والقرارات الدولية مثل 1559، 1680، و1701، التي شددت على ضرورة حل الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة.
سقوط نظام الأسد وتداعياته على حزب الله
كان لانهيار النظام السوري أثر كبير على حزب الله، إذ شكل هذا التطور ضربة قوية لمشروعه الإقليمي، ما أدى إلى تغييرات جوهرية في المشهد اللبناني، أبرزها انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة تضع استعادة السيادة الوطنية كأولوية.
حزب الله بين الإنكار والواقع الجديد
رغم الحقائق الميدانية التي تضعف موقفه، لا يزال حزب الله يرفض الاعتراف بانتهاء مشروعه العسكري، وهو ما تجلى مؤخرًا في أحداث طريق المطار، حيث حاول فرض واقع جديد عبر المواجهات المباشرة. إلا أن ميزان القوى قد تغير، فالدولة باتت أكثر تحررًا من سطوته، وهو الآن في موقف دفاعي غير قادر على تعطيل القرارات السيادية كما في السابق.
حزب الله وفشل استنساخ تجارب الماضي
على عكس الفترات السابقة، لم يعد حزب الله قادرًا على استنساخ تجارب تحالفات الحركة الوطنية أو التكتلات السياسية السابقة. فاليوم، لم يعد يحظى بالدعم الشعبي الواسع، كما أنه يخضع لمراقبة دولية مشددة تحد من قدرته على التحرك بحرية.
التمويل الإيراني والتحديات المستقبلية
يعد التمويل الإيراني شريان الحياة الأساسي لحزب الله، لكن الضغوطات الدولية تضع قيودًا صارمة على استمراره، مما يهدد بنيته العسكرية والتنظيمية.
ومن المتوقع أن يواجه تحديات اقتصادية كبيرة إذا استمر قطع الإمدادات المالية، ما قد يؤدي إلى اضطراره لتقليص نشاطاته بشكل كبير.
أخيراً، وأمام هذه التطورات، يبقى العنوان الأبرز للمرحلة الحالية هو تعزيز دور الدولة اللبنانية واستعادة سيادتها الكاملة. وفي ظل التراجع الإقليمي لحزب الله، فإن المسار السياسي يمضي نحو إنهاء نفوذه المسلح لصالح مشروع دولة قوية ومستقلة.
المصدر: نداء الوطن، شارل جبور
