الأطفال في لبنان بعد الحرب: صدمات نفسية عميقة وتأثيرات طويلة الأمد

يعتبر الأطفال الفئة الأكثر تضررًا من الحرب الأخيرة في لبنان، حيث عاشوا تجارب مرعبة خلفت آثارًا نفسية طويلة الأمد. من أصوات القصف، مشاهد الدمار، والخوف المستمر جعلتهم يعيشون في حالة من التوتر الدائم، حتى بعد انتهاء الحرب.
الطفلة إيمان أبي حيدر تصف لحظات الرعب التي عاشتها بقولها: “عندما سمعت انفجار الصاروخ، شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدمي، تخيلت منزلي ينهار فوق رأسي. رأيت أصدقائي يموتون، سمعت صراخ أهلي، ارتجفت من الخوف، اختبأت تحت السرير وأغلقت أذني، لكن الأصوات لم تغادر رأسي”. هذه المشاعر ليست مجرد لحظات عابرة، بل تلازم الأطفال، وتؤثر على سلوكهم وتصرفاتهم اليومية، وتجعلهم عرضة لمشاكل نفسية تحتاج إلى تدخل متخصص.
ضمن الإطار نفسه، تترك الحروب آثارًا نفسية عميقة على الأطفال، إذ يعاني كثيرون منهم من مخاوف مفرطة، كوابيس متكررة، تبول لا إرادي، وقلق دائم يجعلهم في حالة تأهب لأي صوت مفاجئ. ومع مرور الوقت، قد تتطور هذه الأعراض إلى اضطراب ما بعد الصدمة، اكتئاب مزمن، أو سلوكيات عدوانية تؤثر على علاقاتهم بالآخرين.
وفقًا للمعالجة النفسية تاليا مطر، الأطفال الذين شهدوا العنف أو فقدوا منازلهم يكونون أكثر عرضة لهذه الاضطرابات، كما أن البيئة المحيطة تلعب دورًا كبيرًا في تفاقم الضغط النفسي لديهم. فالأطفال يميلون إلى تقليد السلوكيات التي يرونها من حولهم، وعندما يكون العنف هو المشهد السائد، يصبح من الصعب عليهم التفاعل مع محيطهم بشكل طبيعي.
علاوة على ذلك، إن العلامات التي تدل على أن الطفل يعاني من اضطرابات نفسية نتيجة الحرب واضحة، لكنها تتطلب وعيًا من الأهل والمجتمع للتعامل معها. فالخوف المفرط، ردود الفعل العنيفة، الكوابيس المتكررة، الانطواء، أو التعلق الزائد بالأهل، كلها مؤشرات تدل على حاجة الطفل إلى الدعم النفسي.
بعض الأطفال يظهرون هذه الصدمات من خلال اللعب، حيث يعيدون تمثيل مشاهد الحرب بطريقة غير واعية كوسيلة لمعالجة مشاعرهم. آخرون يواجهون مشاكل في التركيز والتحصيل الدراسي، حيث يصبح الذهن منشغلًا بالقلق والخوف بدلاً من استيعاب المعلومات.
إن هذه التأثيرات لا تقتصر على المدى القصير فحسب، بل قد تستمر لسنوات إذا لم يتم التعامل معها بشكل صحيح. فالأطفال الذين يكبرون وهم يحملون آثار الحرب النفسية يصبحون أكثر عرضة للاضطرابات المزمنة التي قد تؤثر على مستقبلهم وعلاقاتهم الاجتماعية.
لهذا، يصبح توفير الدعم النفسي والاجتماعي أمرًا ضروريًا لمساعدتهم على تجاوز هذه الصدمات. لذلك، يعدّ الاهتمام بصحة الأطفال النفسية اليوم مسؤولية مجتمعية لضمان جيل أكثر استقرارًا وقدرة على بناء مستقبل بعيد عن العنف والخوف.

المصدر: نداء الوطن، جوانا صابر

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top