
يسعى لبنان إلى استعادة دوره كدولة طبيعية بعد عقود من الأزمات السياسية والتدخلات الخارجية التي أثّرت على سيادته ووحدته. منذ اتفاقية القاهرة عام 1969 وحتى الاتفاقيات والتسويات السياسية الأخيرة، بقيت الدولة اللبنانية تعاني من ضعف مؤسساتها نتيجة انقسامات داخلية وتأثيرات إقليمية ودولية.
مع الحديث عن عهد رئاسي جديد، يبرز التساؤل حول إمكانية تحقيق دولة تمتلك وظائفها السيادية الكاملة، حيث تسيطر على قوتها العسكرية، تحتكر علاقاتها الدبلوماسية، وتدير مواردها المالية دون تأثيرات خارجية.
تاريخياً، لم تكن الدولة اللبنانية مجرد كيان إداري، بل مرت بفترات من الهيمنة السياسية والتدخلات التي أثّرت على هويتها واستقلالها. فالمقاومة التي نشأت في مراحل متعددة لم تكن دائماً في انسجام مع الدولة، بل أحياناً شكلت تحدياً لسلطتها.
إن المفارقة الواضحة، أن المقاومة الوطنية استندت إلى الشرعية الدولية، لكنها في بعض الأحيان اتخذت طابعاً خاصاً أدى إلى تصادم مع مؤسسات الدولة، مما أعاق تطور الدولة الحديثة. هذا الواقع خلق إشكالية حول دور القوى غير الرسمية في تقرير مصير الدولة، ومدى تأثير ذلك على القرار السياسي والسيادة الوطنية.
علاوة على ذلك، لطالما تأثرت السياسات الداخلية بتوازنات القوى بين الأحزاب والكتل السياسية، مما انعكس على تشكيل الحكومات وإدارة مؤسسات الدولة. فالنواب الذين انتخبوا رئيس الجمهورية الجديد كانوا قادرين على الدفع باتجاه تشكيل حكومة فعالة خلال أيام، إلا أن المشهد السياسي اللبناني لا يزال يعاني من الانقسامات التقليدية التي تعرقل عملية الانتقال إلى دولة متماسكة. هذه التعقيدات تجعل من تطبيق القرارات الدولية، مثل القرار 1701، مسألة صعبة التنفيذ في ظل استمرار التجاذبات السياسية.
في المقابل، إن نشأة الدولة اللبنانية عام 1920 كانت خطوة نحو تأسيس كيان مستقل، لكن المسار نحو “دولة طبيعية” ما زال طويلاً. فاللبنانيون أمام تحدٍ حقيقي في إعادة بناء مفهوم الدولة وفق أسس حديثة تقوم على سيادة القانون، احترام المؤسسات، وتعزيز الانتماء الوطني بعيداً عن المصالح الفئوية. بعبارة أخرى، يتطلب التحول نحو دولة قوية تغييراً جذرياً في العقلية السياسية والمجتمعية، حيث يصبح المواطن شريكاً في بناء الدولة وليس مجرد تابعٍ للزعامات السياسية.
وأخيراً، يمتلك لبنان فرصة حقيقية لاستعادة مكانته كدولة ذات سيادة، لكنه بحاجة إلى إرادة سياسية حقيقية لتجاوز العقبات التي أعاقت تطوره لعقود. إذاً، إن التحدي الأكبر يكمن في تحقيق توازن بين المصالح الداخلية والخارجية، وضمان استقلالية القرار الوطني بعيداً عن الاصطفافات والمحاور الإقليمية.
المصدر: نداء الوطن، أنطوان مسرّه
