تصحيح الأجور في لبنان: ضرورة ملحّة في ظل الأزمة الاقتصادية

لم يعد السكوت عن الظلم الاقتصادي الذي يعاني منه اللبنانيون مقبولًا، إذ باتت الرواتب لا تتجاوز 200 دولار شهريًا، في حين أن الحد الأدنى لكلفة المعيشة يتخطى 420 دولارًا، ما يعني أن الحد الأدنى العادل للأجور يجب أن يكون أعلى من ألف دولار.
إن هذا الواقع المأساوي يضع الحكومة الجديدة أمام تحدٍّ كبير يتمثّل في تصحيح الأجور دون تحميل الخزينة أعباء إضافية، مع ضمان تحقيق العدالة للعاملين في القطاعين العام والخاص.
في القطاع العام، بدأ الاتحاد العمالي العام سابقًا مفاوضات مع الحكومة لضمّ المساعدات المالية إلى صلب الرواتب، وجرى تكليف لجنة بإعداد دراسة شاملة حول الحد الأدنى للأجور وتكاليف المعيشة.
وعلى الرغم من إحراز تقدم في هذا الملف، فإن الحاجة تظلّ ملحّة لإعادة إحياء المفاوضات مع الحكومة الجديدة لضمان تحسين أوضاع العاملين، خصوصًا في ظل انخفاض قيمة تعويضات نهاية الخدمة التي لا تزال تُحتسب وفق سعر الصرف القديم لليرة اللبنانية.
أما في القطاع الخاص، فتستمرّ المفاوضات مع الهيئات الاقتصادية، حيث يسعى الاتحاد العمالي العام لتثبيت مرسوم غلاء المعيشة الصادر في نيسان 2024، الذي جُمّد سابقًا بانتظار حكم مجلس شورى الدولة. وتبقى الحاجة قائمة إلى إعادة تقييم الحد الأدنى للأجور ليعكس الواقع الاقتصادي الحالي، خصوصًا أن الاتحاد العمالي طرح سابقًا أن يكون بحدود 50 مليون ليرة، لكن هذا الرقم أصبح بحاجة إلى مراجعة جديدة.
في المقابل، يشدّد الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين على ضرورة تصحيح الأجور لجميع العاملين، سواء في القطاع العام أو الخاص، إذ لم يُجرَ أي تعديل رسمي للأجور منذ سنوات طويلة، مما أثر سلبًا على معيشة العمال.
كما أن الشغور في القطاع العام وغياب الحماية الاجتماعية للعاملين بنظام العقود والمياومين يزيد من تعقيد الأزمة، ما يستدعي تدخلًا حكوميًا سريعًا لمعالجة هذا الخلل.
أمّأ بالنسبة للعاملين في القطاع الخاص، فإن عدم تصحيح الأجور منذ عام 2012 أدى إلى خسارة كبيرة في القدرة الشرائية، حيث فقدت الأجور ما يقارب 97% من قيمتها منذ عام 2019. كما تضرّرت تعويضات نهاية الخدمة بسبب عدم تعديل القوانين المرتبطة بالضمان الاجتماعي، مما يتطلب تحركًا تشريعيًا عاجلًا لضمان حقوق العمال الذين دفعوا اشتراكاتهم مسبقًا.
من جهة أخرى، يواجه العمال مشكلة إضافية تتعلق بالقانون الصادر عام 2017، الذي جعل التعويض التقاعدي إلزاميًا، ما أدى إلى اقتطاع مبالغ كبيرة من تعويضات بعض العاملين لتغطية الاشتراكات المفروضة.
لذلك، أصبح من الضروري تصحيح الأجور وإدخال جميع المساعدات والزيادات ضمن الراتب الأساسي، تجنبًا للالتفاف على حقوق العمال وتقليل التزامات أصحاب العمل تجاه الضمان الاجتماعي.
في ظل هذه الأوضاع، تتفاوت التقديرات بشأن الحد الأدنى الجديد للأجور، حيث أظهرت إحدى الدراسات أن الحد الأدنى يجب أن يصل إلى 70 مليون ليرة، أي ما يعادل 700 دولار، في حين يرى الاتحاد العمالي أن الرقم العادل يجب أن يتراوح بين 800 و1000 دولار، نظرًا لتكاليف السكن وغيرها من النفقات الأساسية.
ومع استمرار الدولرة في الأسعار واحتفاظ بعض أصحاب العمل بأموالهم خارج لبنان للتهرب من التصريح عنها، يبقى تصحيح الأجور مطلبًا أساسيًا لضمان حقوق العمال.
مع تشكيل الحكومة الجديدة، يبقى الأمل معلقًا على قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة لإنصاف العاملين في لبنان. ومع أن الوضع الأمني والسياسي يشكل تحديًا إضافيًا، فإن النقابات العمالية لن تقف مكتوفة الأيدي، وهي مستعدة لممارسة الضغوط اللازمة لضمان تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية، حتى لو اضطرّت إلى اللجوء إلى الشارع للمطالبة بحقوق العمال وتطبيق معايير العمل الدولية.

المصدر: نداء الوطن، رماح هاشم

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top