
على وقع التحضيرات المكثفة، يستعد لبنان ليوم مفصلي آخر مع تشييع السيد حسن نصرالله، الأمين العام لحزب الله. الطريق إلى مطار بيروت والمناطق المحيطة به تحوّلت إلى مشهد سياسي بامتياز، حيث ارتفعت الأعلام والصور والشعارات التي تعكس مواقف الحزب ورؤيته. هذا الحدث، وإن كان في ظاهره مراسم وداع، إلا أنه يحمل في طياته أبعاداً سياسية واجتماعية تتخطى مجرد تشييع زعيم سياسي.
بين التشييع والسيطرة على الفضاء العام
لطالما شكّلت جنازات القادة لحظات مفصلية في التاريخ السياسي اللبناني، بدءًا من تشييع الرئيس بشير الجميّل إلى رفيق الحريري وكمال جنبلاط وغيرهم. واليوم، يضاف هذا التشييع إلى القائمة، لكن مع دلالات مختلفة، إذ تتحوّل مدينة كميل شمعون الرياضية، التي طالما احتضنت لحظات رياضية ووطنية كبرى، إلى منصة تُستخدم لتعزيز رمزية المقاومة، في ظل مشهد يثير جدلًا بين مختلف المكونات اللبنانية.
التحضيرات: مظاهر قوة أم استعراض سياسي؟
تحول طريق المطار إلى لوحة سياسية، حيث اليافطات العملاقة تصدّرت المشهد، والشباب المنتشرون لتنظيم الحدث يعكسون مدى الانضباط والتخطيط الذي رافق المناسبة. سيارات الحزب، مكبرات الصوت، الشاشات العملاقة، وحتى إزالة النفايات استعدادًا، كل ذلك يظهر تحضيرًا دقيقًا يتجاوز البعد العاطفي إلى استعراض للقوة والنفوذ.
السيطرة البلدية وغياب القانون!!
لعبت بلدية الغبيري، بقيادة معن الخليل، دورًا مركزيًا في تسهيل الاستعدادات. ضمن الإطار المذكور، أثار هذا الدور جدلًا، خاصة مع ممارسات سابقة أظهرت تفرّد البلدية في اتخاذ قرارات تتجاوز صلاحياتها، مثل السيطرة على سوق الخضار ومواجهة نادي الغولف. هذه التصرفات تطرح تساؤلات حول مدى احترام المؤسسات المحلية لمبادئ الحوكمة والشفافية.
الإنفاق والمصادر المالية: علامات استفهام
وسط الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان، يبرز التساؤل حول تكلفة هذه الاستعدادات والجهات التي تمولها. تشير التقارير إلى أن التشييع، مع كل تجهيزاته واستقدام شخصيات من الخارج، كلف ملايين الدولارات، ما يعكس استمرار تدفق التمويل لحزب الله رغم الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في البلاد.
ما بعد التشييع: إلى أين؟
في ظل هذا الحدث، يبقى السؤال الأهم: كيف سينعكس هذا المشهد على الداخل اللبناني؟ هل سيكون مجرد محطة رمزية، أم أنه سيفتح الباب أمام إعادة رسم التحالفات والتوازنات؟ الأكيد أن الأيام القادمة ستحمل الكثير من التحديات، في بلد مثقل بالأزمات والطموحات المتناقضة.
وأخيراً، إن التشييع ليس مجرد وداع، بل مشهد يعكس انقساماً واضحاً في البلاد. ففيما تنشغل بعض القوى بإبراز قوتها، تظل قطاعات واسعة من اللبنانيين منشغلة بأسئلة المعيشة والأمن والاستقرار. لبنان، الذي لطالما كان ساحة لتصادم المشاريع، يواجه اليوم تحدي البقاء وسط هذه العواصف السياسية التي لا تهدأ.
المصدر: نداء الوطن، نوال نصر
