
شهدت الانتخابات النيابية اللبنانية في مايو 2022 سيطرة كاملة للثنائي الشيعي “حركة أمل” و”حزب الله” على المقاعد الشيعية الـ27 في البرلمان، في استكمال لمسار بدأ عام 2018. ومع تضاؤل فرص المعارضة الشيعية التقليدية، بدا المشهد السياسي للطائفة محكوماً بتوجهات “الثنائي”، حيث حصل “حزب الله” على 344,882 صوتًا، متجاوزًا “حركة أمل” التي نالت 190,663 صوتًا، مما يعكس تبدل موازين القوى داخل الساحة الشيعية اللبنانية.
لكن كيف تحولت الطائفة الشيعية من زعامات فردية وعائلات تقليدية إلى احتكار سياسي تحت مظلة “حزب الله”؟ هذه المقالة تستعرض المسار التاريخي للحياة السياسية للشيعة في لبنان منذ نشأة الدولة حتى ترسيخ سيطرة “ولاية الفقيه “.
الزعامات الفردية: بداية التمثيل السياسي الشيعي
مع إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، بدأت الطائفة الشيعية تأخذ موقعها في المشهد السياسي الجديد، خاصة بعد الاعتراف بها رسميًا عام 1926 كطائفة تتمتع بكامل الحقوق الدينية والمدنية. في هذه المرحلة، اقتصرت المشاركة الشيعية على زعامات تقليدية تنتمي إلى عائلات إقطاعية مثل الزين، الأسعد، الفضل، وعسيران، والتي كانت تملك مساحات شاسعة من الأراضي.
في المقابل، برزت نخب ثقافية مثل أحمد عارف الزين، محمد حوماني، وأحمد رضا، لكنها لم تستطع فرض تأثير سياسي مباشر. وفقًا لكتاب “تاريخ شيعة لبنان من الماضي الغامض إلى المستقبل المجهول” الصادر عن “أمم للتوثيق والأبحاث”، شارك الشيعة في الحياة النيابية والوزارية خلال عهد الانتداب الفرنسي، لكن ضمن حصص محدودة.
محاولات إنشاء أحزاب شيعية وطنية
بعد الاستقلال، برزت محاولات لتأسيس أحزاب ذات توجهات شيعية، مثل “منظمة الطلائع” التي أسسها رشيد بيضون، و”منظمة النهضة” التي أنشأها أحمد الأسعد. حملت هذه الأحزاب شعارات مستوحاة من الرموز الشيعية، لكنها سرعان ما اصطدمت بالدولة اللبنانية، التي ألغت ترخيصها في عام 1947 بعد مواجهات دامية.
ورغم أن بعض الزعماء الشيعة مثل كاظم الخليل شاركوا في تأسيس أحزاب وطنية لبنانية، لم يتمكنوا من بلورة تيار سياسي يجمع الشباب الشيعي تحت هوية وطنية جامعة. أدى هذا الفراغ إلى اختراق الأحزاب اليسارية والقومية للقاعدة الشيعية، ما مهد الطريق لاحقًا لصعود الزعامات الدينية.
موسى الصدر: الانتقال إلى الزعامة الدينية
شهد عام 1959 تحولًا جذريًا في المشهد الشيعي مع وصول الإمام موسى الصدر إلى لبنان. بدأ الصدر مسيرته في العمل الاجتماعي، وأسّس عددًا من المؤسسات مثل جمعية البر والإحسان ومعهد الدراسات الإسلامية. في عام 1969، ترأس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ثم دخل معترك السياسة بقوة عام 1974، عندما دعم انتخاب رفيق شاهين في الجنوب ضد مرشح الرئيس كامل الأسعد، محققًا انتصارًا مدويًا.
أسس الصدر “حركة المحرومين”، التي تحولت لاحقًا إلى “أفواج المقاومة اللبنانية – أمل”، ليصبح أول من قاد الطائفة الشيعية في إطار مؤسساتي منظم، بعيدًا عن الزعامات الفردية التقليدية.
صعود حزب الله وهيمنة ولاية الفقيه
مع تغييب الصدر في ليبيا عام 1978، وانتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، بدأ مشروع تصدير الثورة إلى لبنان، ما أدى إلى ولادة “حزب الله” بين عامي 1982 و1985 كتنظيم يحمل عقيدة “ولاية الفقيه المطلقة “.
استطاع الحزب أن يتمدد بسرعة، مستفيداً من دعم إيران وسوريا، حيث أنشأ مؤسسات تربوية وصحية واجتماعية، بالإضافة إلى هيمنة أمنية وعسكرية، ما مكّنه من مصادرة القرار السياسي الشيعي. لم يقتصر دوره على الشأن الداخلي، بل أصبح لاعبًا أساسيًا في تحديد توجهات الدولة اللبنانية، سواء عبر التعطيل السياسي أو فرض القرارات بالقوة.
الزعامات التقليدية في مواجهة الاختفاء
على مدى نصف قرن، سيطرت الزعامات الفردية على الحياة السياسية الشيعية، لكنها لم تستطع تأسيس تيار وطني قوي، ما جعلها عرضة للتآكل أمام الأحزاب العقائدية. ساهمت الحرب الأهلية، الاحتلال السوري، والترهيب السياسي في إنهاء وجودها التدريجي.
بالمقابل، تمكن “حزب الله” من ملء هذا الفراغ بفضل تنظيمه الحديدي، وقدرته على استقطاب الشباب الشيعي، مستفيداً من فشل الزعامات التقليدية في تقديم بدائل مقنعة. واليوم، بات الحزب المهيمن الأول على القرار السياسي للطائفة، ما جعل أي تغيير داخلي أمرًا شبه مستحيل في ظل المعطيات الحالية.
وأخيراً، منذ إعلان دولة لبنان الكبير، شهدت الطائفة الشيعية تحولات جذرية، انتقلت فيها من زعامات فردية متنافسة إلى سيطرة مطلقة لـ”حزب الله”. هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة لعوامل سياسية واجتماعية متشابكة، جعلت من الحزب القوة المهيمنة التي تتحكم ليس فقط في القرار الشيعي، بل في المشهد اللبناني العام.
يبقى السؤال مطروحًا: هل يمكن إعادة تشكيل المشهد السياسي الشيعي في لبنان، أم أن “حزب الله” سيبقى الممسك الوحيد بزمام الأمور لعقود قادمة؟
المصدر: نداء الوطن
