
مع انسحاب الجيش الإسرائيلي من معظم القرى الحدودية في جنوب لبنان، برزت تساؤلات حول طبيعة هذا الإنسحاب وأبعاده الفعلية، لا سيما مع استمرار السيطرة الإسرائيلية على خمس نقاط استراتيجية. ورغم أن هذه الخطوة تأتي في إطار اتفاق وقف إطلاق النار، فإنها تثير مخاوف حول مدى تحقيق السيادة اللبنانية الكاملة على الأراضي الوطنية.
ضمن الإطار المذكور، أكدت الرئاسة اللبنانية رفضها لأي مساومة على السيادة، معتبرةً أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لهذه المواقع يشكل انتهاكاً للاتفاقات الدولية. في المقابل، يبدو أن إسرائيل تتعامل مع الانسحاب الجزئي كخطوة محسوبة، حيث تسعى إلى طمأنة مستوطني الشمال بأن أمنهم لا يزال أولوية، كما توجه رسائل واضحة إلى “حزب الله” والجيش اللبناني والمجتمع الدولي، مفادها أن وجودها في هذه النقاط ليس مجرد احتلال مؤقت، بل جزء من استراتيجية طويلة الأمد.
كذلك، يرى مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأوسط، ديفيد شينكر، أن الانسحاب الإسرائيلي مرتبط بعوامل أمنية وسياسية، مشيراً إلى أن إسرائيل تعتمد على هذه المواقع لمنع أي تهديدات مباشرة على مدنها وبلداتها. ويشير إلى أن التراجع الإسرائيلي الكامل قد يتطلب وقتاً إضافياً نظراً لتعقيدات الوضع الداخلي اللبناني، بما في ذلك ضعف انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، والمشكلات المتعلقة بالتجنيد والحدود مع سوريا.
أما على مستوى العلاقات الدولية، فيرى شينكر أن لبنان يمتلك فرصة لتبني سياسة خارجية مستقلة بعيداً عن النفوذ الإيراني والسوري، ما قد يفتح المجال أمام علاقات مستقبلية مع إسرائيل. ويربط تحقيق ذلك بإضعاف “حزب الله” وإجراء إصلاحات داخلية تعزز السيادة الوطنية.
وفيما يتعلق بالمساعدات الأميركية، يستبعد شينكر وجود نية فعلية لوقف الدعم العسكري للبنان، مشيراً إلى أن استمرار المساعدات مرتبط بأداء القوات المسلحة اللبنانية، وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة لضمان استقرار البلاد. كما يؤكد أن الولايات المتحدة لن تتحمل مسؤولية دفع رواتب الجيش اللبناني، متوقعاً أن تستمر دول الخليج في تقديم الدعم المالي كما حدث سابقاً.
وأخيراً، يرى شينكر أن التحدي الأكبر في لبنان يتمثل في نفوذ “حزب الله” والفساد المستشري، حيث يفرض الحزب سيطرته شبه الكاملة على الطائفة الشيعية، مما يحدّ من الخيارات السياسية المتاحة. ويؤكد أن أي تغيير جذري في لبنان يتطلب معالجة هذين الملفين، لضمان تحقيق الاستقرار واستعادة السيادة الكاملة على القرار السياسي والأمني.
المصدر: نداء الوطن، جوزيان الحاج موسى
