
يمر لبنان بمرحلة دقيقة تفرض توازناً حساساً بين تنفيذ الإصلاحات السياسية والاقتصادية وإعادة الإعمار، في ظل وضع مالي متأزم وشروط دولية صارمة للحصول على المساعدات.
ضمن الإطار المذكور، أصبحت الحاجة إلى إعادة بناء المناطق المدمرة أولوية ملحّة، إلا أن الدول المانحة تربط تقديم الدعم باتخاذ خطوات عملية على مسار مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية والحوكمة في الإدارات العامة.
إن هذا التداخل بين الإصلاح والإعمار بات يشكّل معضلة حقيقية، إذ لا يمكن تحقيق التقدم في أحد المسارين دون الآخر، ما يجعل الحكومة أمام اختبار صعب لإثبات جديتها في تنفيذ التعهدات المطلوبة.
كذلك، إن الإعمار، رغم ضرورته القصوى، يواجه عقبات متعددة، أبرزها ضعف الإمكانيات المالية للدولة اللبنانية، ما يفرض الاعتماد على المساعدات الخارجية والقروض الدولية. لكن الدول المانحة تتساءل عن الضمانات التي تحول دون تكرار سيناريو حرب تموز 2006، عندما قُدّمت مليارات الدولارات لإعادة بناء ما دُمّر، قبل أن تشهد بعض المناطق عمليات عسكرية جديدة.
كما أن إدارة أموال الإعمار تخضع لنقاش حاد، حيث تصرّ بعض الجهات المانحة على الإشراف المباشر على التنفيذ، لضمان الشفافية ومنع هدر الموارد، في حين أن العقوبات الغربية المفروضة على إيران تحول دون إمكانية تقديمها مساعدات مالية للبنان، وسط مخاوف من أن تصل تلك الأموال إلى حزب الله بدلاً من استخدامها في مشاريع الإعمار.
علاوة على ذلك، تشترط الدول المانحة تنفيذ إصلاحات جوهرية قبل تقديم أي دعم، أبرزها مكافحة الفساد، الحد من التضخم الإداري، وإقرار سياسات واضحة تعزز الاستقرار السياسي والاقتصادي. كما أن مسألة احتكار الدولة اللبنانية لقرار الحرب والسلم، وفقاً لما نص عليه اتفاق الطائف، باتت جزءاً أساسياً من الشروط الدولية، حيث يُنظر إلى ضبط القرار العسكري كعامل محوري لاستعادة الثقة الخارجية.
أخيراً، وفي ظل هذه التعقيدات، تصبح قدرة الحكومة اللبنانية على تحقيق هذا التوازن عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل الإعمار، إذ إن تجاوز الأزمة لا يرتبط فقط بالحصول على التمويل، بل بمدى القدرة على بناء دولة قادرة على إدارة المرحلة القادمة بحكمة ومسؤولية.
المصدر: اللواء، صلاح سلام
