الدروز في قلب التحولات الإقليمية: صمود في وجه المخططات الإسرائيلية

لطالما شكّل الدروز جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي في بلاد الشام، حيث توزّعوا بين فلسطين، لبنان، سوريا، والأردن، وبقيوا طوال العقود الماضية، متمسكين بأرضهم وهويتهم الوطنية رغم التغيرات السياسية والتاريخية الكبرى التي شهدتها المنطقة.
منذ قيام إسرائيل عام 1948، وجد الدروز أنفسهم أمام تحديات جديدة فرضت عليهم واقعًا سياسيًا معقدًا، إلا أنهم اختاروا التكيّف مع أوطانهم المختلفة، مؤكدين ولاءهم لدولهم رغم تضارب المصالح الإقليمية.
ظلّ الدروز على مرّ العقود في قلب المخططات الإسرائيلية التي حاولت استغلال وجودهم الجغرافي القريب من الحدود الشمالية لإسرائيل، عبر محاولات متعددة لإنشاء مشاريع عازلة تحمي الكيان الإسرائيلي من أي تهديد مستقبلي.
إحدى أبرز هذه المحاولات كانت في أواخر الستينات ومطلع السبعينات، حيث جرت لقاءات سرية في روما بين شخصيات درزية من لبنان وسوريا مع مسؤولين إسرائيليين، لكن هذه المخططات أُحبطت بعد تسريب تفاصيلها إلى الزعيم كمال جنبلاط، الذي سارع إلى إجهاض المشروع عبر اتصالاته بقيادات عربية كجمال عبد الناصر والقيادة السورية آنذاك.
اليوم، تعود إسرائيل إلى استراتيجية استمالة الدروز، وهذه المرة تحت ذريعة حمايتهم في ظل الأحداث المتسارعة في سوريا، حيث شهدت مدينة جرمانا، ذات التركيبة الاجتماعية المتنوعة والتي تضم نسبة كبيرة من الدروز، اشتباكات محدودة، سارعت إسرائيل إلى استغلالها.
ضمن الإطار المذكور، أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أوامر للجيش بالاستعداد “لحماية” جرمانا، في خطوة تعكس نوايا إسرائيلية لتوسيع نفوذها في الجنوب السوري، مستخدمة الدروز كذريعة لإعادة رسم الخرائط في إطار مشروع “الشرق الأوسط الجديد “.
لم تكن هذه التحركات معزولة عن المشهد السوري العام، فمع سقوط نظام الأسد وتولي أحمد الشرع السلطة، بدا واضحًا أن إسرائيل تسعى إلى فرض شروطها على دمشق، خصوصًا فيما يتعلق بوجود الشرع في الجنوب السوري. ترافق ذلك مع تهديدات إسرائيلية مباشرة وضغط عسكري مستمر، عبر عمليات توغل بدأت منذ انهيار النظام السابق، مستهدفة مناطق استراتيجية مثل القنيطرة وجبل الشيخ، الذي أصبح بالكامل تحت السيطرة الإسرائيلية.
إزاء هذه التطورات، أكد مشايخ العقل في جبل العرب رفضهم القاطع لأي محاولة لفصلهم عن الدولة السورية، مشددين على تمسكهم بوحدة الأراضي السورية. لكن هذا الموقف يحتاج إلى ترجمة عملية من الإدارة السورية الجديدة، التي عليها الإسراع في إنجاز الدستور الجديد، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وضمان مشاركة جميع المكونات السورية في العملية السياسية، بما يطمئن الدروز ويعزز انخراطهم في مستقبل البلاد. فكلما تأخرت دمشق في هذه الخطوات، زادت فرص إسرائيل لاستغلال الوضع وفرض وقائع جديدة على الأرض.
في ظل هذه المعادلات، يبرز تحدٍ إضافي يتعلق بالمجموعات الدرزية المسلحة التي رفضت تسليم سلاحها قبل تحقيق إصلاحات فعلية على مستوى الدولة، وهو ما يشير إلى حالة من الترقب والحذر داخل الطائفة تجاه مستقبل البلاد. فالتأخير في إعادة بناء الدولة قد يدفع بعض الجهات إلى خيارات غير محسوبة، وهو ما تسعى إسرائيل إلى استغلاله عبر تقديم مغريات سياسية وأمنية.
إذاً، فالمخاوف اليوم ليست محصورة فقط بالتدخل الإسرائيلي، بل تتعلق أيضًا بمدى قدرة القيادة الدرزية على الحفاظ على وحدتها الداخلية وتحصين قرارها السياسي.
لقد عبّر رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط عن هذه الهواجس بوضوح، محذرًا من إمكانية اندلاع صراع داخلي قد يجرّ المنطقة إلى سيناريوهات غير محسوبة، مشددًا على ضرورة توحيد الصف ورفض المخططات الخارجية التي تستهدف وحدة المنطقة.
على مدى التاريخ، لم يعرف الدروز الانعزال أو التقوقع داخل مشاريع ضيقة، بل كانوا جزءًا فاعلًا من المشهد السياسي والاجتماعي في بلاد الشام. عندما أتيحت للأمير فخر الدين المعني الثاني فرصة تأسيس إمارة مستقلة، لم يحصرها بإطار درزي بل جعلها نموذجًا للتعددية والانفتاح، وهو ما يعكس طبيعة الدروز الذين لطالما كانوا جزءًا من المشاريع الوطنية الجامعة.
ربما تكون الحكمة التي تكررت على لسان المرجع الروحي الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين، بأن “كل دروز ببلادها”، هي المفتاح لمواجهة التحديات الراهنة. فالمرحلة المقبلة تتطلب وضوحًا في الموقف، ورفضًا لأي مشاريع تقسيمية، والتزامًا بخيارات وطنية تحافظ على وحدة الدول وتمنع أي استغلال خارجي للواقع القائم.

المصدر: Mtv، نادر حجاز

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top